لم تكن زيارتي إلى موقع مبادرة بناء سدّ الحَذَاة في منطقة باسِق بعزلة جبل اللوز زيارةً عابرة، ولا مجرد جولة ميدانية ضمن برنامج عمل، بل ذهبت وأنا أحمل تصورًا واضحًا: أن أكون مع الناس هناك، أشاركهم بداية العمل، أحفّزهم، وأؤكد على أهمية التعاون والتكاتف، وأن هذا المشروع مسؤولية الجميع لا جهة بعينها.
كنت أظن أن الزيارة ستأخذ طابع التوجيه والتحفيز، وأن الحاجة ستكون أكبر للكلمات في مرحلة البداية، خصوصًا وأن العمل لم يصل بعد إلى مرحلة البناء، بل لا يزال في أول خطواته: كسر الحجارة وتجميعها استعدادًا لما هو قادم. في منطقة تعاني من الجفاف وشحّ المياه، تبدو هذه الخطوة الأولى مهمة جدًا، لكنها في الوقت نفسه شاقة وتحتاج إلى صبر طويل.
لكن ما رأيته عند وصولي كان أبعد من كل التوقعات ومنذ اللحظة الأولى، كان المشهد واضحًا وبسيطًا في آنٍ واحد: لا أحد يقف بلا عمل. الجميع منشغل. أصوات المعدات والآلات تملأ المكان، وصرير ضرب المعاول على الحجارة يملأ المكان، وشظايا الصخور تتطاير لتتحول إلى مواد جاهزة للبناء القادم. رجالٌ يتوزعون بين الكسر والجمع والنقل، كلٌّ يعرف دوره دون حاجة إلى توجيه متكرر، وكأن العمل منظم بروح جماعية سبقت أي حديث أو توجيه.
جئت لأشاركهم وأحفّزهم، لكنني وجدت نفسي أمام مشهدٍ مختلف؛ عملٌ يسير بإيقاعه الخاص، دون حاجة إلى كثير من الكلام. بدا واضحًا أن فكرة التعاون هنا ليست شعارًا، بل ممارسة يومية، وأن كل حجر يُكسر هو خطوة في اتجاه مشروع أكبر من الجميع.
وما زاد من دهشتي وإعجابي، هو مستوى التنظيم الدقيق في العمل داخل هذه المبادرة، حيث لا يُترك شيء للارتجال أو العشوائية، بل تسير المهام وفق أدوار واضحة تشرف عليها لجان متعددة؛ اللجنة الإشرافية، والرقابية، والمالية، والإعلامية، وكل واحدة منها تؤدي دورها بتكامل وانسجام يعكس وعيًا كبيرًا بأهمية إدارة العمل المجتمعي بروح مؤسسية.
وعلى رأس هذه المنظومة يقف صاحب المبادرة ورئيسها الدكتور فهد الفهد، الذي لم يكن مجرد مشرف إداري، بل حاضرًا بروحه وجهده ومتابعته المستمرة لكل تفاصيل العمل، رغم انشغاله الدائم في المستشفى، وقيامه بعمله الإنساني اليومي كأحد “ملائكة الرحمة” في اليمن، حيث يداوي المرضى ويخفف آلامهم، وكأنه يمتد في رسالته هنا أيضًا ليكون شريكًا في إنقاذ الناس من معاناة العطش وشحّ المياه، فيتحول من طبيبٍ للأجساد إلى طبيبٍ للتنمية والتعاون.
هذا الحضور المزدوج بين العمل الإنساني في المستشفى والعمل التنموي في الميدان، يعكس نموذجًا فريدًا لقائدٍ يحمل همّ الإنسان في كل موقع، ويجسد معنى العطاء المتكامل الذي لا يتوقف عند حدود المهنة، بل يمتد إلى خدمة المجتمع في كل احتياجاته الأساسية.
في تلك اللحظة، أدركت أن الرسالة التي جئت لأحملها قد سبقني إليها أهل باسِق والقرى المجاورة لها بالفعل. لم ينتظروا دعمًا خارجيًّا، ولم يعلّقوا آمالهم على جهةٍ بعينها، بل تحرّكوا بإيمانهم بأن الماء حياة، وأن تأمينه مسؤولية الجميع.
وتبقى الخلاصة هي أن ما يجري في سدّ الحَذَاة ليس مجرد مشروعٍ مائي، بل هو نموذجٌ حيٌّ لقوة المجتمع حين يتماسك، وحين يتحوّل الوعي إلى عمل، والفكرة إلى إنجاز. هو درسٌ عملي في أن التنمية لا تبدأ من القرارات الرسمية فحسب، بل من إرادة الناس حين يقرّرون أن يصنعوا واقعهم بأيديهم.
وهكذا عدتُ من هناك وأنا أحمل قناعةً أعمق: أن المجتمعات التي تمتلك روح المبادرة لا تنتظر كثيرًا، وأن من يملك الإرادة يملك الطريق. وما سدّ الحَذَاة إلا شاهدٌ على أن اليمن، رغم كل التحديات، لا يزال قادرًا على أن يبني… حين يتكاتف أبناؤه.