الإمارات بين حلم التقسيم وكابوس العزلة

الإمارات بين حلم التقسيم وكابوس العزلة

الزيارات: 106

عندما سقطت صواريخ وطائرات إيران المسيرة على أبوظبي ، كانت الإمارات تنتظر من "العالم العربي والإسلامي" وقفة تضامن أسطورية. لكن الذي حدث كان صادماً لأبوظبي: صمت مطبق، بل وشماتة علنية من بعض الأطراف.

لماذا؟ لأن شعوب المنطقة بدأت تفهم أن من يزرع الرياح سيحصد العواصف، وأن أيدي الإمارات الممدودة لتقسيم اليمن وتمزيق السودان وتركيع ليبيا هي ذات الأيدي التي لم يشفع لها المال ولا الإعلام ولا القواعد العسكرية عندما جاء الرد الإيراني.
هذه الحقيقة وحدها كافية لأن تجعل محمد بن زايد يعيد حسابه قبل فوات الأوان وأن يتراجع عن حلم أن تكون له "إمبراطورية صغيرة" تمتد من باب المندب إلى سواحل الصومال، ومن الخرطوم إلى بنغازي. وأنه يستطيع فصل الجنوب اليمني عن الشمال، وإقامة "كيان موالٍ" يخدم أجندته في مكافحة أي مشروع نهضوي عربي مستقل.
أغفل بن زايد حقيقة ذهبية: هي أن اليمنيين، مهما اختلفوا، سيجدون أنفسهم في مواجهة مشروع التقسيم أكثر اتحاداً من أي وقت مضى. لماذا؟ لأن فكرة "اليمن" الواحد متجذرة في الضمير الجمعي لليمنيين أكثر من أي هوية أخرى. أي محاولة لقطع هذا التوأم التاريخي بين صنعاء وعدن ستتحول إلى لعنة على من حاولها. ألست يا محمد بن زايد قادماً من دولة اتحادية قائمة أصلاً على ائتلاف هش من سبع إمارات؟ ما يمنع اليمن من الوحدة هو التدخل الخارجي، لا رغبة اليمنيين في الانقسام. أما ما يمنع اتحاد إماراتك من التفكك فهو القبضة الأمنية الحديدية، لا الإيمان الداخلي بالوحدة. جرب أن تترك المجال مفتوحاً يوماً للانتخابات الحرة في دبي والشارقة وعجمان، ستكتشف أن "حلم الوحدة" الإماراتي أكثر هشاشة من "حلم التقسيم" اليمني. التاريخ يعيد نفسه: من يحلم بتقسيم غيره قد يجد نفسه مقسماً قبل أن يتحقق حلمه.
حين تدخل محمد بن زايد في السودان ليشعل حرباً أهلية بين الجيش والدعم السريع، وحين موّل فصائل متطرفة في ليبيا، وحين حاول اقتطاع جنوب اليمن من شماله، وحين أغلق موانئ الحديدة وجوع ملايين اليمنيين، وحين باع الجزر اليمنية لقواعد أجنبية هو في الحقيقة اشترى كراهية الشعوب العربية والإسلامية بسعر بخس. وهذه الكراهية تترجمت عملياً يوم وقف العرب والمسلمون متفرجين على صواريخ إيران وهي تسقط على أرضه. لم يتحرك أحد لمساعدته، لأنهم يرون فيه مشروعاً معادياً لهم قبل أن يرونه حليفاً.
كما أن التطبيع مع إسرائيل لم يمنحه حصانة من الصواريخ الإيرانية، والمليارات التي صرفها على الإعلام واللوبيات لم تشترِ قلب مواطن عربي واحد. الدليل أنهم شعروا بالشماتة لا بالحزن، وأنهم دعوا لإيران قبل أن يدعوا له.
هذه الحقائق أصبحت كافية اليوم لأن تجعل محمد بن زايد يعيد حساباته ويتوقف عن التدخل في شؤون العرب وكأنهم مقاطعات تابعة لقصره. يتوقف عن تغذية الصراعات في اليمن والسودان وليبيا والصومال بالمال والسلاح والمرتزقة. يتوقف عن تخيل أنه "وصي" على المنطقة لأنه يمتلك أسطولاً جوياً ونفطاً وبترودولار. الاحترام الإقليمي لا يُشترى، والهيمنة لا تُباع. قد يخاف منه حكام تابعون، لكن الشعوب لن تخاف منه أبداً. هذه الشعوب ستتذكر يوماً أنه جوع أطفال اليمن وأسكت ثورات الحرية وقتل الثوار في السودان وشرذم ليبيا. وستتحول المرارة التي تتجرعها شعوب المنطقة اليوم من سياساته غداً إلى كراهية مدمرة لن تقف عند حدود التدخل.
ولذلك عليه أن يعد إلى رشده قبل فوات الأوان. ليكن ميراثه السياسي بناء جسور مع الشعوب لا بناء ثكنات على رقابها. وليتذكر دائماً: أن الأوطان تبقى بالإرادة لا بالإكراه، وأن التاريخ يعيد نفسه، وقد تأتي الأيام التي تنهار فيها الأحلام العابرة على صخور الحقيقة العربية، وتتفكك إمارات بن زايد السبع قبل أن ينفصل جنوب اليمن عن شماله. وإذا حدث ذلك، فلن يجد من يبكي عليه، لأنه لم يبكِ على أحد.

طباعة