لم يكن دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ حدثاً إجرائياً معزولاً، بل مثّل لحظة سياسية ـ ميدانية فارقة كشفت بوضوح انتقال ميزان القوة من منطق الغطرسة الصهيونية إلى معادلات الردع التي فرضتها المقاومة الإسلامية بقوة الفعل الميداني،
فالهدنة المعلنة لعشرة أيام لم تُنتَزع عبر مسارات دبلوماسية تقليدية، بل جاءت كنتيجة مباشرة لانكسار الإرادة القتالية للعدو أمام صمود المجاهدين وتماسك جبهات محور المقاومة، مدعومة بالدور الإيراني العسكري والسياسي الذي منح الميدان عمقه الاستراتيجي.
ومع إعلان سريان الاتفاق، تحوّلت بيروت والضاحية الجنوبية إلى مشهد سياسي شعبي بامتياز، حيث عبّرت الجماهير عن قراءتها للنتائج قبل الخطابات والتحليلات، فالاحتفالات لم تكن طقوس فرح عابرة، بل ترجمة وعي جمعي بأن ما جرى لم يكن مجرد توقف للنار، وإنما تثبيت لانتصار صاغته دماء الشهداء وتضحيات المقاومين، وأعاد رسم حدود القوة في المنطقة.
بعد خمسة وأربعين يوماً من المواجهة المفتوحة على جبهة جنوب لبنان، أعلنت المقاومة الإسلامية انتهاء معركة «العصف المأكول» وقد خرجت منها منتصرة، لا بالمعنى الدعائي، بل وفق معايير ميدانية واستراتيجية واضحة. فقد شكّلت هذه المواجهة واحدة من أعنف جولات الصراع، ليس من حيث كثافة النيران فقط، بل من حيث اختبار الإرادات، وكشف قدرة كل طرف على الصمود طويل الأمد، وهذا الانتصار لم يكن وليد الصدفة، بل ثمرة تراكُم خبرة قتالية، وتخطيط عملياتي دقيق، وإدارة ذكية للنار والميدان. وقد أثبتت المقاومة أن إرادة القتال المنظمة، حين تُدار بعقل استراتيجي، قادرة على تحييد التفوق التكنولوجي، وتحويله إلى عبء على صاحبه بدل أن يكون أداة حسم.
خلال الحرب، نفّذت المقاومة نمطاً مركباً من العمليات العسكرية، جمع بين الدفاع الصلب والهجوم المدروس، فقد تصدّت بفاعلية للقوات الصهيونية المتوغلة، واستهدفت القواعد والثكنات والمواقع العسكرية داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة، بالتوازي مع توسيع رقعة النيران الصاروخية والمسيرات الانقضاضية من شمال فلسطين حتى ما بعد تل أبيب، وهذا الامتداد الجغرافي للنيران لم يكن استعراضاً للقوة، بل رسالة عملياتية مفادها أن العمق الصهيوني لم يعد بمنأى عن الاستهداف، وأن الحرب لم تعد محصورة في جغرافيا المواجهة التقليدية، وضمن هذا الإطار، خاضت المقاومة حرب استنزاف متكاملة استهدفت العدو في عمقه البشري والاقتصادي والنفسي، ونجحت في إنهاك منظومته العسكرية وإرباك قراره السياسي.
أحد أبرز التحولات التي فرضتها هذه الجولة تمثّل في ضرب ركائز العقيدة العسكرية الإسرائيلية، وعلى رأسها التفوق الجوي والاستخباري، فقد تمكنت المقاومة من إسقاط مسيرات استراتيجية، واستهداف قواعد ومواقع رصد ومراقبة جوية وبحرية، ما أدى إلى إضعاف قدرة العدو على جمع المعلومات الاستخباراتية في الزمن الحقيقي، وهذا الاختراق النوعي انعكس مباشرة على الأداء الميداني للعدو، الذي فقد القدرة على التحكم بساحة القتال، وارتفعت كلفة أي عملية برية إلى مستويات غير محسوبة، كما لم تعد الطائرات والمروحيات الإسرائيلية قادرة على العمل بحرية مطلقة فوق لبنان، الأمر الذي قيّد قدرتها على الإسناد الجوي، وقلّص فاعلية العمليات المركبة.
في المواجهات البرية، أثبتت المقاومة تفوقاً واضحاً في قتال المدن وحرب العصابات، محوّلة القرى والبلدات إلى مصائد مميتة لقوات المشاة الإسرائيلية. وجاءت الضربات دقيقة، موجعة، وذات طابع تدميري محسوب، لترسيخ معادلة واضحة أن أي توغّل بري في الأراضي اللبنانية سيُواجَه بثمن يفوق قدرة العدو على الاحتمال، كما كشفت الكمائن المتكررة فشلاً استخبارياً بنيوياً لدى العدو، وعجزاً عن قراءة تحركات المقاومة أو تفكيك بنيتها الميدانية، ما شكّل ضربة مباشرة لثقة الجيش الإسرائيلي بعقيدته وقدرته على الحسم السريع.
بالتوازي مع الصمود العسكري، شكّل الدعم الإيراني في المسار السياسي رافعة أساسية لتكريس نتائج الميدان على طاولة التفاوض ولم تكن الجبهة اللبنانية معزولة عن هذا السياق، بل جاءت ضمن استراتيجية متكاملة لمحور المقاومة، حيث يُدار الصراع بوصفه وحدة واحدة متعددة الساحات.
وفي المحصلة خرجت المقاومة الإسلامية من هذه الجولة أكثر قوة وصلابة، وأكثر خبرة وتطوراً، وقد ثبّتت معادلات ردع جديدة ستشكّل الأساس لأي مواجهة مقبلة، فاليد التي ضغطت على الزناد في هذه المعركة لم تخرج منه، بل باتت أكثر ثباتاً وثقة، فيما يتأكد مرة أخرى أن ما جرى ليس نهاية الصراع، بل محطة مفصلية في مسار طويل لن يتوقف إلا بزوال الاحتلال واستعادة كامل الأراضي المحتلة.