ليس غريبًا على صديقي الهمام، دولة البروف/ عبد العزيز صالح بن حبتور، أن يتواجد في مواطن المجد وأراضي الشموخ والعزة، حيث تحتدم سجالات المواجهة ومنازلة جحافل الغدر والعدوان البربري الهمجي “الصهيوأمريكي”، المدجج بغطرسة فائض القوة النيرانية وجبروت الرغبة في استمرار هيمنتهم العالمية المؤسسة على مدخلات يطول شرحها.
للأسف الشديد، مقال كاتبنا الفطن - الذي نقدم له هنا قراءة سريعة - قد جاء قبل يوم واحد فقط من الانتصار الإيراني الكبير على عدويه الغادرين، من خلال اعتراف رسمي بلسان المسخ النرجسي “دونالد ترامب”، على صفحته الرسمية في منصته الإلكترونية “تروث سوشيال”، بقبوله في اليوم التاسع من أبريل 2026م الهدنة مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية بموجب شروطها العشرة. ضع ما شئت من خطوط حمراء، فذاك المقال كان سيكون مختلفًا جملةً وتفصيلًا عما احتواه هذا المقال. وكنا سنقرأ له مفردات أخرى وعبارات في غاية الروعة تشرح الصدر وتشفي قلوب قوم مؤمنين. لكنني، رغم ذلك، على ثقة يقينية من أنه لن يترك موضوع الانتصار يمر مرور الكرام بالمطلق الأعم. فلا تناقشني في ذلك، عزيزي القارئ اللبيب، فالكاتب صديقي الحميم منذ نصف قرن تقريبًا، وكلانا يعلم تركيبة الآخر بحذافير كينونته الدقيقة.
وبالعودة إلى عنوان ومضمون المقال موضوع هذه القراءة السريعة، نجد أن الكاتب الفذ قد عنونه “بتحية للشعب الإيراني المجاهد وقيادته المباركة للصمود أربعين يومًا”، ثم ولج مباشرة في تأصيل توثيقي تاريخي وإحصائي - ولو كان على الخفيف - عن الأربعين يومًا والموجة 99 من ضربات “الوعد الصادق”، مسترسلًا في الحديث عن ملابسات الحرب العدوانية الغادرة التي تتكرر للمرة الثانية أثناء خوض الطرفين مفاوضات كان يفترض أن تؤسس لسلام دائم بينهما، دعا لها الرئيس المأفون بذاته، لكنه كان مترنحًا من سكرة النشوة والفخر باعتقال الرئيس الفنزويلي البطل نيكولاس مادورو في هجوم غادر، وكذلك غدر بالمرتزقة الذين تعاونوا مع وكالة الـ CIA، والذين تم تضليلهم بمبلغ خمسين مليون دولار المرصودة كجائزة لمن يقبض على رئيس فنزويلا، حيث نكث بوعده ولم يدفع لهم شيئًا.
وقد ذهب الكاتب في سرد تفاصيل مفاوضات جنيف السويسرية وشخوص المفاوضين وصفاتهم الرسمية، بمن فيهم الوسيط “بدر البوسعيدي” وزير خارجية سلطنة عمان، إلى أن اقتربوا من التوافق، ليتأكدوا من مصداقية النوايا، بينما كان ترامب وربيبه نتنياهو ينفذان عملية قطع الرأس للقيادة الروحية والعسكرية بضربة واحدة، متوهمًا أنه بذلك سيسقط النظام الإيراني - الدولة وريثة حضارة عمرها عشرة آلاف عام - وليس كما كان يظن أنهم مجموعة ملالي بعمائمهم البيضاء والسوداء، بحسب ما زين له غباوته الأخرق الشيطان نتنياهو.
وهذا ما ذهب إلى إيضاحه دولة البروف عبد العزيز بن حبتور في الفقرة الثانية من متن المقال، شارحًا عقلية ترامب ومسخه النرجسي، وهلع طمعه بالصفقات والمكاسب المالية كسمسار عقارات يفتقد إلى رصانة العقل والتفكير الاستراتيجي، حيث أصبح ترامب دمية بيد نتنياهو مجرم الإبادات البشرية. وقد حشد الكاتب الذكي من الأحداث والوقائع وأسماء الدول وأنواع الجرائم الشيء الكثير، لذا أنصحك أيها القارئ الكريم بالعودة إلى قراءة نص المقال الأصلي.
ولعل صديقي الكاتب النابه بالتاريخ شديد الإتقان، ويتجلى ذلك من خلال إتقانه للتاريخ في شرح التفاصيل وربطها ببعضها في سرد رشيق ودقيق، في تأصيل توثيقي تاريخي لسردياته، مثل بداية الحقد والعداء للجمهورية الإسلامية في إيران الذي نشأ منذ الإطاحة بنظام الشاه محمد رضا بهلوي، النظام الذي كان بمثابة “الشقيق التوأم” للكيان الصهيوني. بدأ ذلك العداء مع نجاح الثورة الإيرانية في إسقاط نظام الشاه، وما تلاه من قطع العلاقة الدبلوماسية مع الكيان الصهيوني وطرد طاقمه الدبلوماسي من طهران، وتسليم مبنى السفارة كمقر لممثلية منظمة التحرير الفلسطينية (P.L.O). وكلنا شاهدنا تلك اللحظات المجيدة التي تسلم فيها رئيس المنظمة الشهيد القائد ياسر عرفات “أبو عمار” مفاتيح ذلك المبنى، بتوجيهات من المرشد الإيراني آية الله الخميني - رحمة الله عليه.
بل إن كاتبنا الصمصام يسترسل في سرده البديع، موضحًا كيف استطاع المجرم الفاشي إقناع الرئيس الأمريكي المسخ ترامب بمشاركته في شن الحرب الغاشمة على الشعب والوطن الإيراني الشقيق، فاضحًا الأسلوب الرخيص الذي تمت به عملية الإقناع: “لقد حاول مجرم الحرب بنيامين نتنياهو إقناع جميع رؤساء الولايات المتحدة، لكنه لم يتمكن، غير أنه بفضل تأثير جماعات الضغط الصهيونية المتغلغلة في مراكز القرار المالي والسياسي والقضائي في أمريكا، وما تيسر من وثائق فاضحة قادمة من جزيرة جيفري إبستين، والعديد منها تُدين الرئيس ترامب، ساعدا كيان العدو الصهيوني على أن يشن عدوانه السافر بإسناد مباشر من جيش ترامب وعصابته”.
دشن صديقي دولة البروف الفقرة الثانية بتوضيح أن هذه الحرب لم تكن الأولى، بل سبقتها حرب الاثني عشر يومًا في 25 يونيو من العام الماضي 2025م، والتي أوقفها ترامب بناءً على رغبة نتنياهو بعد تكبده ضربات صاروخية قاسمة. ليؤكد استخلاصه حكمًا قطعيًا: أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية قد أصبحت القائد الحقيقي لمحور المقاومة الإسلامية في لبنان واليمن والعراق وفلسطين، مع أحرار العالم الرافضين للغطرسة الصهيوأمريكية، المتصدية لمحور الشر الذي يقف على رأسه الكيان الصهيوني وحاضنته أمريكا وحلف شمال الأطلسي وتوابعهم.
واصفًا الحكم الذي وصل إليه بأنه تلخيص لصورة المشهد السياسي والعسكري والأمني والثقافي والإعلامي، أمام الرأي العام العربي والإسلامي والدولي في ظل صمت النظام الدولي. إن كل ما يشاهده أحرار العالم عبر قنوات التلفزة التي تمولها أرصدة البترودولار، وتشرف عليها إدارة فنية ولوجستية متصهينة، حتى بلغ مستوى الإيمان الصهيوني حدود 100%، بحيث لا يستطيع المشاهد أن يفرق بين ما تبثه قنوات الجزيرة والعربية والحدث وإسكاي نيوز والأردنية وMBC، وما تبثه القنوات الصهيونية والغربية، بهدف غسل أدمغة البسطاء في العالمين العربي والإسلامي وتوطين الصمت والقبول في نفوسهم.
ودشن الكاتب فقرة المتن ساخرًا من ساسة الغرب الاستعماري حين ينظرون إلى حكام الجزيرة والخليج في عواصمهم واشنطن واستوكهولم ولندن، فلا تعرفهم نخب الإعلام إلا كمحطة بترول ضخمة يقف على خزاناتها عمال مغتربون بسطاء، يضخون ما شاءوا من البترول، تاركين أمر المقاصة لصرافات إلكترونية، لخصم مبالغ مخصصة لصرفيات أولئك الحكام الذين يأتون للسياحة والنزهة، تكفي نهمهم الاستهلاكي وعبثهم التبذيري في مشتريات عقارية ومقتنيات طنافسية، ولا يغفلون عن بنثر البخشيش على موظفي الخدمة “جون وماري”، كسلوك يمارسه أبناء الذوات، ذلك السفه في التبذير بأموال شعوبهم المقهورة.
أما الفقرة قبل الأخيرة فقد دشنها بنوع من الألم الحزين قائلًا: “لكن الأسوأ أن تتحول جميع البلدان العربية والخليجية - الأردن وسوريا والعراق والكويت والسعودية والبحرين وإمارة أبوظبي وقطر - قواعدَ عسكرية أمريكية وبريطانية ومواقع تجسس إسرائيلية، تتحول إلى رأس حربة مسمومة قاتلة، ومواقع عسكرية وأمنية معادية ضد محور المقاومة في إيران واليمن ولبنان. وللتذكير فقط، فإن الطائرات الأمريكية التي أغارت على مدرسة التلميذات الإيرانيات في ‘ميناب’ في أول يوم عدوان، قد انطلقت من مطارات البحرين وأبوظبي. أعلم حجم الوجع الذي يرتج في ثنايا الصدر والفؤاد من سلوك أولئك الحكام المنبطحين، ولكن تلك خطّةٌ كُتبت علينا فمشيناها”.
ختامها مسك: هنا ينقش الكاتب كلمات تشبه المسلة التاريخية، مستشرفًا نتائج اليوم التالي بعد هذه الحرب، ملخصًا إياها في أربع نقاط:
1/ خروج جميع القوات العسكرية الأمريكية والبريطانية من البلدان العربية.
2/ دفع تعويضات مالية مجزية للجمهورية الإسلامية الإيرانية ومحور المقاومة من قبل أمريكا ودول مجلس التعاون الخليجي.
3/ اعتراف العالم بأسره بسيطرة الإيرانيين والعمانيين على مضيق هرمز كونه يقع في مياههما الإقليمية.
4/ بحث سيطرة اليمن على باب المندب كونه يقع في المياه الوطنية، لليمن التي عاصمتها صنعاء حصريآ
هذا جهد ما استطعت الخروج به من قراءتي السريعة لمقال دولة البروف/ عبد العزيز بن حبتور. أرجو أن أكون قد وفقت بما اجتهدته، متكئًا على عصف ذهني كان الكاتب الفذ شريكي فيه، معتذرًا عن أي إطالة كانت روعة المقال سببًا فيها.