إذهب عميقًا في دمي

إذهب عميقًا في دمي

الزيارات: 151

قبل سنوات، كنت في زيارة لفريق من الأخوات لتعبويات في مدينة بنت جبيل الجنوبية. كنا قد اتفقنا على نشاطٍ رياضيّ في "ملعب بنت جبيل"؛ حيث وقف سماحة السيد عام ٢٠٠٠ صادحا بكل ثبات "إسرائيل أوهن من بيت العنكبوت".

كان يومًا بالنسبة لي لا يُنسى. تجتمع في ذلك المكان كل معاني الجلال والإباء والعزّة. وتعطيك طاقته جرعاتٍ من الحماسة، فلا تتوقف أحاديثنا عن سرد بطولات شبابنا عمّا جرى بعد مضيّ ٦ سنوات على ذلك الخطاب الكبير .. ٣٣ يوماً من البطولات الحسينية الجنوبية سُجّلت: من الخيام إلى وادي الحجير إلى مثلث بنت جبيل وعيتا الشعب ومارون الراس.. والكثير من القرى العاملية. .لم يكن وقتها النشاط الرياضي الوحيد، ولا البقعة الجنوبية الوحيدة. لكن لهذا الملعب نصيب عند كل مفترق تاريخي لبلادنا الجميلة. تمضي سنونٌ على نصر تموز ٢٠٠٦، وتأتي حرب الاسناد في ٨ أكتوبر وتزداد وحشية العدو.. وتتوسع الحرب علينا في ٢٣ ايلول وتبدأ المواجهات الملحمية من جديد.. كل مشهد في كل بلدة جنوبية عبارة عن ملحمة أسطورية كربلائية. من الخيام التي صارت مقبرة للدبابات الكرتونية الاسقاطيلية.. إلى مارون وعيتا الشعب.. طير حرفا و شمع.. إلى بنت جبيل وميس الجبل.. دائما لبلدات الحافة الأمامية هذه نصيبٌ في تدوين صفحات التاريخ الجنوبي المقاوم!
بعد مضيّ ١٥ شهرًا على آخر ما جرى في جنوبنا الغالي، اقتحمت الصواريخ الستة أُنس العدوّ، وبدأ النزال من جديد. .أكتب هذا النص الآن بعد مرور ٣٦ ساعة من الهجوم الاسقاطيلي المتواصل لمحاولة أخذ متر واحد من بنت جبيل، لكن صراخ انكسارهم أعلى من صوت الدبابات.. تلك الدبابات التي دمّر شبابنا بعضها قرب ملعب بنت جبيل ليذكّرهم بأنهم أوهن من بيت العنكبوت.. أبناء وحدة "نصر" وغيرهم من خيرة شبابنا يذيقون العدوّ مرارة جرأته على احتلال جزء من جنوبنا..
أيضاً، لأكثر من شهر، يحاول العدو الغاشم الاستيلاء على أمتار قليلة من مدينة الخيام، لكن سهلها صار مقبرة للدبابات. انتقل بنفس الاندفاع الخائب نحو بلدة الطيبة محاولا النزول إلى وادي الحجير.. هذا العدو الغبيّ نسي لما "بلال عدشيت" قهر أسطورتهم في ٢٠٠٦ و جعل من الوادي مقبرة لهم و"لعرش الرب" فخر صناعتهم آنذاك.. فتكرر المشهد من شوارع بلدة الطيبة قاطعين عنهم الطريق نحو الوادي.. ملاحم بطولية عمّدها شبابنا بالدم الزاكي، وما اجتاز العدوّ شبرًا منها..
يعجز العدو باستمرار، لكنه متشوق لنهايته على أرضنا، فيحاول التقدم من جهة البحر.. من الناقورة وطير حرفا.. نسي محرقته العام الماضي عندما اقتحم مقام شمعون الصفا في بلدة شمع وقَتل شبابنا مؤرّخهم اللصّ ذاك.. خيرة شبابنا بذلت أرواحنا هناك ولم يأخذوا شبرًا منها..
يصلُني أن البعض من أهلنا في بلاد المحور المقاوم يقلق على مصير قرانا الجنوبية، يخافون تحقق صدق ادّعاءات العدو من تثبيت قواته عند نقاط توغّله، أقول لكم أن الحقيقة التي يخفيها العدو وتُظهرها كاميرات شبابنا ما يلبث الجبان هذا أن يدوس شبرا من أرضنا حتى تتناثر أشلاؤه في المكان..
نحن؛ إلى هذه اللحظة، نسهر كل يوم على عدّاد احتراق دبابات الكيان الكرتوني المزعوم.. نجلس متحمسين منتظرين لكل بيان يصدره إعلامنا الحربي، وعند كل بيان تسمعون تهليلاتنا بالتكبير والصلوات..
كل شابٍّ في الجبهة اليوم يكتب التاريخ.. كل شاب يقول "إذهب عميقًا في دمي.." ويدوّي لحن الرصاص ليكتب النصر القريب ان شاء الله.
* كاتبة لبنانية

طباعة