صراع الوجود.. ما وراء العدوان على إيران

صراع الوجود.. ما وراء العدوان على إيران

الزيارات: 141

مر خمسون يوماً على بدء العدوان الأمريكي الصهيوني على إيران، وما زالت إيران تقاوم وتهاجم وترد القصف بالقصف والضربة بالضربة، لتكسر غطرسة الصهاينة والأمريكان وتُحْبِط أهدافهم.

بدأ العدوان بسلسلة من الهجمات الغادرة، استهدفت مؤسسات مدنية وقادة بارزين. كان الهدف واضحاً وهو: إحداث فراغ قيادي، وإسقاط النظام، ودفع إيران إلى الاستسلام غير المشروط، وسلب قدرتها وثرواتها، وتنصيب من تريد أمريكا تنصيبه لقيادة الدولة على غرار ما حدث في فنزويلا.

لكن ما لم يكن في حسابات العدو وأعوانه هو الفارق الجوهري بين فنزويلا وإيران؛ وهو الإيمان الراسخ بالله، والعقيدة التي تسكن قلوب هؤلاء القادة وشعبهم المؤمن. فبينما ارتقى بعض القادة شهداءَ، برز آخرون أكثر قوة وشراسة، ليحملوا راية المعركة. فكان الرد الإيراني مباشراً وقوياً وموجعاً، استهدف الأراضي المحتلة في فلسطين والقواعد الأمريكية في المنطقة، وتضاعفت الضربات واشتدت الهجمات يوماً بعد يوم، لتثبت أن إرادة المقاومة قوية ولن تضعف أو تنهار، وأن العدو الذي راهن على الانهيار السريع يواجه فشلاً ذريعاً ومتواصلاً، وسينكسر بإذن الله قريباً أمام بسالة المجاهدين في إيران ولبنان والعراق واليمن وفلسطين.
في بداية العدوان، خرج قادة العدو (ترامب ونتنياهو) بتصريحات متغطرسة، معلنين القضاء على النظام والقدرات الإيرانية، ومطالبين بالاستسلام غير المشروط. لكن الرد الإيراني جاء قاصِماً، بضربات موجعة على قواعد العدو في إسرائيل والمنطقة، وشملت إغلاق مضيق هرمز، وإغراق عددٍ من سفنِهم، وإسقاط طائراتهم. أمام هذه الضربات، اختفى نتنياهو المعروف بغطرسته وعنجهيته الإعلامية، ليظل حبيس الملاجئ، في مشهد يجسد الوعد الإلهي في قوله تعالى: (لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ). أما ترامب، فقد أُصيبَ بِهَسْتَيرِيَا وجُنون العظمة، ليُلْقِيَ خطابات متناقضة، يتحول فيها من إعلان نهاية إيران وقوتها إلى دعوتها للحوار والتهديد في آن واحد، ليصبح مُسْخَرَةً للمتابعين. هذا التحول في الأهداف الصهيونية الأمريكية، من إسقاط النظام الإيراني وفرض الاستسلام إلى الدعوة للحوار والتنازلات، إلى فتح مضيق هرمز، لم يكن ليتحقق لولا فضل الله، ثم بفضل الإيمان والثبات والصبر الأسطوري للمجاهدين في إيران من قادة وشعب.
إن هذه الحرب هي حرب الإيمانِ كُلِّهِ ضدَّ قُوَى الشركِ والكفرِ كُلِّها، فانقسم العالم إلى كَفَّتَيْنِ: مع أمريكا وإسرائيل، ومع إيران وحلفائها. فإيران هي دِرْعُ الأُمَّةِ الحَصِينُ في مواجهة الصهاينة المحتلين وأعوانهم، وأن استهدافها هو استهداف لكل الأُمَّةِ. وهي اليوم تقود معركة تطهير الأُمَّةِ من الأعداء، وبرغم كل الهجمات التي تواجهها والقنابل الفَتَّاكَةِ التي أُلْقِيَتْ عليها، فهي اليوم تُشَرِّفُ الأُمَّةَ في هذه المعركة بِشَرَاسَتِهَا واسْتِبْسَالِهَا.
هنا يتبادر إلى أذهاننا سؤال: ماذا لو كانت كل الدول الإسلامية، أو حتى الدول العربية، تمتلك ذات الإرادة والعزيمة التي أظهرتها إيران في صد العدوان الأمريكي الصهيوني وطرد الوجود الأمريكي بقواته وقواعده ومؤسساته من منطقتنا؟ وتأتي الإجابة: لَوْ لَمْ تَكُنْ هناك أرضٌ تُسَمَّى إسرائيل، أو لأي محتل غربي في منطقتنا. إننا اليوم نخسر ونتألم في هذه المعركة بحجم تخاذلنا منذ البداية، وكل من يتخاذل اليوم سيأتي دوره ليخسر أعظم وأكبر. فإيران، الدولة المحاصرة منذ عقود، تواجه اليوم أعظم قوة عالمية بأَفْتَكَ الأَسْلِحَةِ والقنابل، وتخوض حرباً شاملة تستهدف كل شيء على أرضها، من حرب عسكرية جبانة هَمَجِيَّةً، إلى حرب إعلامية تضليلية، وصولاً إلى حرب المنافقين من العرب والمسلمين الذين يطعنون في خاصرة الأمة لصالح العدو الصهيوني الأمريكي، فضلاً عن مواجهة مجلس الأمن والأمم المتحدة. ولولا جهادها وصمودها، لاستعمر الصهاينة كل المنطقة العربية والإسلامية، ولفرضوا علينا دينهم أو قتلونا. وما نراه اليوم من إهانة للدول الإسلامية المُطَبِّعَةِ والمُطِيعَةِ لهم، حيث يأمرونها بالولاء لإسرائيل وطاعتها في كل أمر، رغم أنها دول كبيرة وغنية وتستطيع الاستغناء عن أمريكا والغرب، لهو دليل قاطع على أن حب الدنيا يولد الذل، والذل يولد الإهانة، ومن ثم النهاية الحتمية المخزية، لأنهم لم يطيعوا الله ورسوله في جهاد هؤلاء الكافرين.
إن هؤلاء المنافقين من الأَعْرَابِ، الذين ينتظرون هزيمة إيران ومحور المقاومة، لا يدركون أن الكيان الصهيوني لن يتركهم وشأنهم، وسيندمون أشد الندم. ولقد كان في مصير أنطوان لحد وجيشه في جنوب لبنان عامَ أَلْفَيْنِ أعظم درس في كيفية معاملة إسرائيل لعملائها، وحتى لمن يقاتلون معها ويسلمون لها كل ما يملكون. وعليه، فإن الدخول في المعركة ضد إسرائيل يصبح ضرورة حتمية لحماية بلداننا وأمننا القومي، ثم لمنع عدوانها على أي بلد عربي أو مسلم، وهي فرصتنا اليوم لنوجه لها الضربات التي تنكُسُ رايتها وتكسر غطرستها بإذن الله. وقد قال تعالى: (وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ). ولهذا، يصبح لزاماً على كل عربي ومسلم أن يقف اليوم مع المقاومة في إيران، حتى نَسْتَأْصِلَ هذا السرطان الذي انتشر في جسد الأمة وأصابها بالموت البطيء المتعب. فها هي اليوم الأمة، بقيادة إيران ومحور المقاومة، تقاوم وتواجه وتضرب العدو بجميع جوانبه، وتقود مرحلة التطهير الشامل للأمة من الصهاينة وأعوانهم. فلنكن لهم السند، ولا نُضَيِّع هذه الفرصة العظيمة التي إن أضعناها، سوف نندم ونُضَيِّعُ أنفسنا وكرامتنا وحياتنا وحياة أجيالنا وديننا.
لقد تكررت حالات الذل والإهانة للأمة الصامتة والمتخاذلة على لسان نتنياهو وترامب ومسؤوليهما، من حديثهم عن الشرق الأوسط الجديد الذي تحكمه إسرائيل، مروراً بتصريحات ترامب المهينة لدول الخليج. وعلى النقيض تماماً، يصفون الرجال الأبطال المجاهدين بأنهم الخطر الحقيقي على الصهاينة، كما في أحاديثهم عن قاسم سليماني وحسن نصر الله وخامنئي ولاريجاني، وعدد من القادة الذين أحدثوا ضرراً بإسرائيل ما لم تستطع معظم الدول الإسلامية الخاضعة أن تفعله على مدى ثمانين عاماً. فهؤلاء الأبطال هم من يجسدون الوصف الإلهي في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ). وهذا ما يتجلى اليوم بوضوح في الحرب الدائرة بين إيران وإسرائيل وأمريكا، وكذلك في صمود حزب الله والمقاومة العراقية واليمنية.

طباعة