في عالمٍ يراقب الحروب عبر الشاشات بوصفها أحداثاً يومية عابرة، تبرز قراءة مغايرة تكسر هذا السطح الهادئ، وتدفعنا إلى أعماق مشهد أكثر قتامة وتعقيداً، هنا لا يعود الصراع مجرد تحركات عسكرية، بل يتحول إلى “هندسة كبرى” لإعادة تشكيل النظام الدولي في هذا السياق،
يقدّم البروفيسور الصيني “جيانغ” تصوراً صادماً، نحن لا نعيش حرباً، بل نعيش بداية انهيار منظومة.
إنه لا يتحدث عن نزاع تقليدي، بل عن “مستنقع استراتيجي” صُمّم بعناية، لا لهزيمة قوة بعينها، بل لاستنزافها حتى التفكك.
1.حرب إيران الفخ الذي لا مخرج منه
في قراءة جيانغ، لا تبدو المواجهة مع إيران حرباً قابلة للحسم، بل فخاً متقناً يشبه بل يتجاوز النموذج الأوكراني، الفكرة ليست في الانتصار أو الهزيمة، بل في إجبار القوة الكبرى على البقاء داخل دائرة الاستنزاف.
الولايات المتحدة، وفق هذا التصور، بارعة في إشعال الحروب، لكنها عاجزة عن إنهائها، تدخل بقوة، لكنها لا تمتلك طريق خروج، ومع مرور الوقت، تتحول الحرب من مشروع قوة إلى عبء وجودي، إما الاستمرار في نزيف مفتوح، أو الانسحاب بثمن انهيار الهيبة، وهنا تكمن الخطورة، حين يصبح القرار العسكري رهينة لنتائج لا يمكن التحكم بها.
2. اقتصاد الدمار حين تتحول الحرب إلى مشروع ثروة
الأكثر إثارة في هذا الطرح ليس الجانب العسكري، بل الاقتصادي، فجيانغ يقلب المعادلة التقليدية، ماذا لو لم تكن الحرب استنزافاً لإيران، بل فرصة تاريخية لها؟
السيناريو المطروح يقوم على فرض رسوم عبور على الملاحة في مضيق هرمز بنسبة 10%، رقم بسيط ظاهرياً، لكنه في حسابات الطاقة العالمية قد يتحول إلى دخل سنوي يصل إلى مئات المليارات.
بهذا المنطق، لا تخرج إيران من الحرب منهكة، بل تتحول إلى مركز مالي عالمي جديد، يعيد توزيع القوة في الخليج، ويضع نماذج اقتصادية كاملة تحت اختبار قاسٍ، هنا لا تسقط المدن بالصواريخ فقط، بل بالاختلال في معادلة الأمان.
3. المفارقة الكبرى، سقوط الصين وصعود اليابان
على عكس التوقعات السائدة، يضع جيانغ الصين في موقع الخاسر الأكبر، السبب ليس سياسياً فقط، بل بنيوي، اعتماد عميق على الطاقة الرخيصة القادمة من الخليج، إذ أن أي اضطراب طويل في الإمدادات يعني شللاً تدريجياً لاقتصاد يعتمد على الإنتاج الكثيف والتكنولوجيا عالية الاستهلاك للطاقة.
في المقابل، يراهن جيانغ على اليابان ليس لقوتها الحالية، بل لمرونتها التاريخية، دولة اعتادت الانهيار ثم النهوض، وتملك ثقافة التكيف مع الصدمات، في هذا العالم الجديد، لا يفوز الأقوى، بل الأكثر قدرة على إعادة تشكيل نفسه.
4. حين تتكلم الأيديولوجيا بلغة السلاح
يتجاوز التحليل حدود الاقتصاد والسياسة إلى منطقة أكثر خطورة الأيديولوجيا، بحسب هذه القراءة، هناك تيارات نافذة لا ترى الحرب كصراع مصالح، بل كجزء من سردية كبرى تتعلق بنهايات التاريخ وبناء مستقبل “مقدّر سلفاً”، هنا، يفقد القرار السياسي طابعه العقلاني، ويتحول إلى أداة ضمن مشروع أعمق، وعندما تدخل العقيدة في معادلة القوة، يصبح التنبؤ مستحيلاً، لأن الحرب لم تعد تُدار بالحسابات، بل بالإيمان.
5. الغرب من الهيمنة إلى التآكل الذاتي
يختتم جيانغ رؤيته بصورة قاتمة، الغرب لا يُهزم من الخارج بقدر ما يتفكك من الداخل، تغيرات ديموغرافية، أزمات هوية، وتراجع في ثقة الشعوب بمؤسساتها كلها، في هذا الطرح، ليست أعراضاً عشوائية، بل مؤشرات على عملية “تفكيك بطيء”.
ويُشبّه المسار بفيتنام جديدة، تبدأ بتدخل محدود، وتنتهي بانغماس كامل في حرب لا يمكن كسبها، لكن الفارق هذه المرة أن الخسارة ليست في ساحة المعركة فقط بل في بنية الحضارة ذاتها.
أخيراً عالم جديد يولد من رحم الاستنزاف
ليست “نبوءات جيانغ” مجرد قراءة سياسية، بل تحذير من تحوّل جذري في قواعد اللعبة، نحن أمام عالم لا تُحسم فيه الصراعات بضربة واحدة، بل بنزيف طويل، عالم تتآكل فيه القوى الكبرى ببطء، وتنهض فيه قوى جديدة من قلب الفوضى.
في هذا المشهد، لن يكون معيار القوة هو السلاح فقط، بل القدرة على الصمود على تحمّل الألم وعلى البقاء عندما يعجز الآخرون عن الاستمرار.