تطلّ الذكرى الحادية عشرة ليوم الصمود الوطني في السادس والعشرين من مارس، حاملةً معها واحدةً من أبرز محطات التاريخ اليمني الحديث، حيث تحوّل هذا اليوم من بداية حرب شاملة إلى رمزٍ وطنيٍّ للصمود والتحدي، وعنوانٍ لمرحلةٍ جديدة أعادت تشكيل موقع اليمن في معادلات المنطقة.
ففي مثل هذا اليوم من عام 2015، تعرّض اليمن لعدوانٍ واسع شنّته دول التحالف بقيادة السعودية والإمارات، وبدعمٍ أمريكي وصهيوني مباشر، في محاولةٍ لكسر إرادة الشعب اليمني وإخضاعه. ولم يكن ذلك مجرد عمل عسكري عابر، بل حملة تدمير ممنهجة استهدفت الإنسان والأرض على حدٍ سواء، حيث سقط آلاف الشهداء والجرحى من المدنيين، ودُمّرت البنية التحتية من مستشفيات ومدارس وجسور ومصانع، في ظلّ صمتٍ دوليٍّ لافت.
ولم يقتصر العدوان على القصف والتدمير، بل رافقه حصار اقتصادي خانق استهدف تجويع الشعب اليمني وحرمانه من أبسط مقومات الحياة، عبر إغلاق المنافذ ومنع دخول الغذاء والدواء، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، بحسب توصيف العديد من المنظمات الدولية.
غير أن ما لم يكن في حسبان قوى العدوان، أن هذا الشعب سيحوّل المحنة إلى فرصة، والركام إلى نقطة انطلاق. فمن قلب المعاناة، بدأ اليمن ببناء قدراته الذاتية، معتمدًا على إمكاناته المحلية، ليطوّر منظومة عسكرية ودفاعية متقدمة، خاصة في مجال الصناعات الصاروخية والطيران المسيّر، حتى أصبح اليوم قوة يُحسب لها ألف حساب.
ولم يعد الصمود اليمني مجرد حالة دفاعية داخل الحدود، بل تحوّل إلى قوة ردع إقليمية فاعلة، أربكت الحسابات الدولية، وأفشلت كثيرًا من المخططات التي كانت تستهدف إعادة تشكيل المنطقة بما يخدم الهيمنة الأمريكية والإسرائيلية، بما في ذلك مشاريع التطبيع وإحياء ما يُعرف بمخطط "إسرائيل الكبرى".
وفي هذا السياق، أعاد اليمن توجيه بوصلة الصراع نحو العدو الحقيقي للأمة، وبرز موقفه الواضح في نصرة القضية الفلسطينية، خاصة في ظلّ العدوان على غزة، حيث تجاوز الموقف حدود التضامن السياسي والإعلامي إلى إسناد عملي، عبر عمليات عسكرية استهدفت عمق الكيان الصهيوني، وفرض معادلات جديدة في البحر الأحمر وباب المندب، في تحدٍّ مباشر للقوى الكبرى.
لقد أثبتت هذه التحولات أن اليمن لم يعد ساحةً للصراع، بل أصبح فاعلًا رئيسيًا فيه، وركيزةً أساسية في صياغة ملامح التوازنات الإقليمية الجديدة، فارضًا معادلاته التي تربط أمن المنطقة بقضايا الأمة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.
وفي الذكرى الحادية عشرة للصمود، يقف اليمن اليوم أكثر ثباتًا وصلابة، مبرهنًا أن إرادة الشعوب حين تقترن بالإيمان والصبر والبصيرة، قادرة على تجاوز أقسى التحديات، وتحويل مسار التاريخ، وصناعة مستقبلٍ عنوانه السيادة والحرية.