اغتنام ما تبقّى من رمضان .. فرصة لا تعوّض

اغتنام ما تبقّى من رمضان .. فرصة لا تعوّض

الزيارات: 125

ها هو شهر رمضان يمضي سريعًا، ولم يتبقَّ منه إلا أيام قلائل، وكأن الأمس كان أوله. تمضي الليالي تباعًا، ويقترب موسم الرحمة من نهايته، ولم يبقَ لنا إلا فرصة ثمينة في هذه العشر الأواخر؛ الليالي المباركة التي تتضاعف فيها الأجور، وتتنزل فيها الرحمات، وفيها ليلةٌ القدر هي خيرٌ من ألف شهر.

فمن فاته الاجتهاد في عشر الرحمة، وقصّر في عشر المغفرة، فلا ينبغي أن يُضيّع ما تبقى من الشهر، فالعبرة بالخواتيم، وباب التوبة ما يزال مفتوحًا، ونفحات الله لا تنقطع عن عباده.
إنها أيامٌ ينبغي أن تُستثمر في الطاعات، وأن تُعمَر بالقرآن تلاوةً وتدبرًا، وبالصلاة خشوعًا وإطالةً، وبالاستغفار الذي يمحو الذنوب، وبالتوبة النصوح التي تُطهّر القلوب وتُصلح ما أفسدته الغفلة. فما أجمل أن يخلو العبد بربه في هذه الليالي، يراجع نفسه، ويجدد عهده، ويُقبل بقلبٍ صادقٍ راجٍ للقبول.
ومن أعظم ما يُتقرب به إلى الله في هذه الأيام المباركة: الصدقة والإنفاق على الفقراء والمساكين، لا سيما ونحن على أعتاب عيد الفطر. فما أكثر الأسر التي يمرّ عليها العيد مثقلةً بالحاجة، لا تجد ما تكسو به أبناءها وبناتها، ولا تملك ثمن حلوى تُدخل الفرح إلى قلوب صغارها.
كما أن من الواجب علينا في هذه الأيام المباركة التراحم والتواصل، وزيارة الأقارب، وتفقّد الجيران، والسؤال عن المحتاجين، خاصة المتعففين الذين لا يسألون الناس، ولا يمدّون أيديهم، ولا يعلم بحالهم إلا الله. أولئك الذين لا تصل إليهم المساعدات، ولا تُدرج أسماؤهم في الكشوفات، وهم كُثر في مجتمعاتنا، ينتظرون لفتةً صادقة، ويدًا حانية، وقلبًا يشعر بهم.
فكيف يطيب العيش لمن وسّع الله عليه، فيفرح بالعيد ويلبس الجديد، بينما جاره يتألم في صمت، وأطفال الحيّ ينظرون بحسرة؟ .. كيف يرضى الضمير أن نشبع وغيرنا جائع، وأن نفرح وغيرنا حزين؟ .. أيُّ دينٍ هذا إن لم يكن رحمةً وتكافلًا؟ وأيُّ أخوّةٍ ندّعيها إن لم نشعر بآلام بعضنا البعض؟
المسؤولية هنا لا تقع على جهةٍ بعينها، بل هي واجبٌ على كل قادر، كلٌّ بحسب استطاعته. فالقليل عند الله كثير، والصدقة مهما صغرت، قد تصنع فرحةً كبيرة في بيتٍ أنهكه الفقر.
فلنبادر ولو بالقليل في كسوة فقير، أو إدخال سرور على أسرة، أو مساعدة يتيم، أو تفريج كربة محتاج. فهذه الأعمال هي الزاد الحقيقي الذي يبقى لنا بعد رحيل الشهر.
ولا يليق بنا أن نُضيّع الساعات الثمينة أمام المسلسلات والمسابقات، وننشغل باللهو، ونغفل عن أعظم مواسم الطاعة. فرمضان ليس شهر السهر على الشاشات، بل شهر التنافس في الخيرات، وسباق القربات، ومضاعفة الحسنات.
وما يدريك - أخي المؤمن - لعل هذا هو آخر رمضان في حياتك؟ فكم من أناسٍ صاموا معنا رمضان الماضي، وهم اليوم تحت التراب ينتظرون دعوةً صالحة! وكم من نفوسٍ كانت تخطط لرمضان جديد، فلم يُمهلها الأجل!
فالأعمار بيد الله، والفرص إذا مضت لا تعود، والسعيد من اغتنم مواسم الطاعة قبل فوات الأوان وأعظم مسابقة نشارك فيها هي اغتنام ما تبقى من ساعات هذا الشهر الكريم، وأعظم ربحٍ نناله هو رضا الله وغفرانه والعتق من نيرانه. فلا تُضيّعوا ما تبقى من رمضان.. اغتنموا لياليه.. أحيوا قلوبكم بالطاعة.. واسعوا في قضاء حوائج الناس فالمجتهد اليوم هو الفائز غدًا، ومن زرع الخير في رمضان، حصد السعادة في دنياه وأخراه.

طباعة