يصرح قانون التحكيم بأن اتفاق التحكيم عقد يتم إبرامه بين الخصوم (أطراف التحكيم) بالتراضي والإيجاب والقبول ، وعلى هذا الأساس يكون اتفاق التحكيم عقداً ملزماً لأطرافه، ولذلك تسري عليه أحكام العقود المنصوص عليها في القانون المدني،
غير أنه من المقرر في نصوص قانون التحكيم أن هناك استثناءات فيما يتعلق باتفاق التحكيم تميزه عن غيره من العقود منها: أنه يجوز أن يتم إبرام اتفاق التحكيم في أماكن وتواريخ مختلفة، فيجوز أن يقوم أحد الخصوم بالتوقيع على اتفاق التحكيم في مكان وزمان معين، في حين يقوم الخصم الثاني بالتوقيع على الاتفاق في مكان وزمان آخر، كما لا يشترط أن يتم اتفاق التحكيم في وثيقة واحدة بل يجوز أن تكون موافقات الخصوم المحتكمين في وثائق وأماكن مختلفة، كذلك يجوز الاتفاق على التحكيم عن طريق رسائل يتبادلها الخصوم (أطراف التحكيم) عن طريق الرسائل العادية أو الإلكترونية، ومن خصوصية اتفاق التحكيم التي تميزه عن غيره من العقود أنه لا يقع ولا يصح إلا عن طريق الكتابة بخلاف العقود الأخرى التي يجوز إثباتها بكل طرق الإثبات المقررة في قانون الإثبات، ولذلك ينبغي أن تبحث محكمة الموضوع اتفاق التحكيم على أساس أنه عقد من العقود له خصوصيته، وعلى أساس أن اتفاق التحكيم أساس ومستند ولاية هيئة التحكيم الذي لايقوم لحكمها قائمة إلا إذا لم يكن هناك اتفاق تحكيم أو كان هذا الاتفاق باطلا، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة المدنية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 11-8-2014م في الطعن رقم (54516)، الذي ورد ضمن أسبابه: ((وترى الدائرة أن الاتفاق على التحكيم أياً كانت صورته (مشارطة تحكيم أو شرط تحكيم أو اتفاق تحكيم) يعد تصرفاً قانونياً يتم بإرادتين أي أنه عقد من العقود، ولهذا فإنه يخضع في قواعده وأحكامه لما تخضع له سائر العقود من قواعد وأحكام خاصة بانعقاده وتفسيره وترتيب آثاره وأنه يلزم لصحة وجوده الرضا والمحل والسبب، وحيث أن المادة (53) تحكيم تنص على أنه يبطل الحكم: إذا لم يوجد اتفاق تحكيم أو انتهت مدته أو كان باطلاً وفقاً للقانون، ولذلك فإن ما استندت إليه الشعبة الاستئنافية في أسباب حكمها ببطلان حكم التحكيم لعدم وجود أصل اتفاق التحكيم يعد خروجا عن حدود الطلبات يخالف المادة (221) مرافعات، حيث ينفي المطعون ضده مدعي البطلان وجود اتفاق، وأن المحكم لا ولاية له في إصدار حكمه المدعى ببطلانه، والدائرة ترى: تطبيقاً للمادة (13) مدني التي تنص على أن العقد ملزم للمتعاقدين، وأن الأصل في العقود والشروط الصحة حتى يثبت ما يقتضي بطلانها، والغش يبطل العقود والغرر اليسير فيها الذي لا يمكن الاحتراز عنه عادة لا يكون مانعاً من صحة العقد، ولما كان الثابت من الأوراق أن المطعون ضده مدعي البطلان لم ينكر التحكيم ولم ينكر توقيعه، وإنما ادعى أنه نقل بالإسكانر وهو ما لم ترد عليه الشعبة الاستئنافية بالمخالفة للمادة (231) مرافعات، وحيث أن الطعن يستند إلى مسوغ قانوني فإنه مقبول)) وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الآتية:
- الوجه الأول: طبيعة اتفاق التحكيم:
قضى الحكم محل تعليقنا بأن اتفاق التحكيم يعد عقداً فيما بين أطرافه، وفي هذا المعنى نصت المادة (2) تحكيم ضمن تعاريف القانون على أن: (اتفاق التحكيم: موافقة الطرفين على الإلتجاء إلى التحكيم والتي تشملها وثيقة التحكيم – أي عقد مستقل – أو شرط التحكيم – أي بند في عقد) فالاتفاق عند بعض المؤلفين هو العقد، في حين يذهب البعض الآخر منهم إلى أن الاتفاق مرحلة سابقة على العقد أي أن الاتفاق خطاب نوايا أو تمهيد العقد الذي يتم إبرامه لاحقا، وفي السياق ذاته تنص المادة (4) تحكيم على أن: (ينعقد التحكيم بأي لفظ يدل عليه وقبول من المحكم ولا يجوز إثبات التحكيم إلا بالكتابة) وهذا النص صريح في التقرير بأن اتفاق التحكيم عقد ينعقد بالإيجاب والقبول، كما أن هذا النص قد حصر وسيلة إثبات اتفاق التحكيم على الكتابة، وهو مسلك قوانين التحكيم العربية، وبما أن اتفاق التحكيم تسري عليه أحكام العقود المنصوص عليها في القانون المدني بما في ذلك ما ورد في المادة (13) التي استند إليها الحكم محل تعليقنا التي نصت على أن: (العقد ملزم للمتعاقدين، والأصل في العقود والشروط الصحة حتى يثبت ما يقتضي بطلانها والغش يبطل العقود والغرر اليسير فيها الذي لا يمكن الاحتراز عنه عادة لا يكون مانعاً من صحة العقد)، وقد ذكر الحكم محل تعليقنا ضمن أسبابه طبيعة اتفاق التحكيم كي يرشد محكمة الموضوع أن تبحث اتفاق التحكيم على أساس أنه عقد والتوقيع على كل العقد ليس ركناً أو شرطاً في العقد كما أن عدم وجود أصل اتفاق التحكيم ووجود صورة له بالاسكانر لا يبطل اتفاق التحكيم ولايجرده من أثره طالما وأن مدعي البطلان لا ينكر توقيعه ولاوينكر وجود التحكيم ولكنه يتمسك بعدم وجود أصل اتفاق التحكيم، فكان ينبغي على محكمة الاستئناف، وهي بصدد نظر دعوى البطلان أن تبحث اتفاق التحكيم للتثبت من موافقة الطرفين على بنوده، ومن الشخص الذي كتبه ومدى صحة التوقيعات عليه، لأن الحكم الاستئنافي المطعون فيه لم يناقش اتفاق التحكيم على أساس أنه عقد له أركانه وشروطه، وأن الأصل فيه الصحة، حسبما قضى الحكم محل تلعيقنا.
- الوجه الثاني: إثبات إتفاق التحكيم:
سبق القول بأن أحكام العقد المنصوص عليها في القانون المدني تسري على اتفاق التحكيم، ومع ذلك فإن قانون التحكيم وهو قانون خاص قد استثنى اتفاق التحكيم من إثبات العقود الأخرى، حيث نص قانون التحكيم في المادة (4) تحكيم على أنه: (لا يجوز إثبات التحكيم إلا بالكتابة) وفي السياق ذاته نصت المادة (15) تحكيم على أنه: (لا يجوز الاتفاق على التحكيم إلا بالكتابة) وأضافت هذه المادة في نهايتها بأنه (ويكون الاتفاق باطلاً إذا لم يكن مكتوباً)، وبما أن قانون التحكيم قانون خاص فلا يجوز إثبات عقد التحكيم إلا عن طريق الكتابة، عملا بالنصوص الواردة في قانون التحكيم السابق ذكرها، في حين أن العقود عامة يجوز إثباتها بأية طريقة من طرق الإثبات المقررة في قانون الإثبات.
- الوجه الثالث: مفهوم الكتابة في اتفاق التحكيم:
اتفاق التحكيم وإن كان عقد تسري عليه أحكام القانون المدني مثل غيره من العقود حسبما سبق بيانه، إلا أن قانون التحكيم وهو القانون الخاص المقدم في التطبيق على القانون العام وهو القانون المدني لم يشترط في اتفاق التحكيم إلا أن يكون مكتوباً، وتبعاً لذلك فلم يشترط قانون التحكيم أن يكون اتفاق التحكيم مكتوباً في وثيقة واحدة يقوم بالتوقيع عليها الطرفان معا كما هو معروف في الاتفاقات الأخرى، ولذلك يجوز بالنسبة لاتفاق التحكيم أن يقوم كل طرف بالتوقيع على وثيقة مستقلة تتضمن موافقته على التحكيم، بل أن قانون التحكيم قد أجاز أن تكون وثيقة التحكيم عبارة عن رسائل صادرة من الخصوم (أطراف التحكيم) ليس هذا فحسب فقد توسع قانون التحكيم في مفهوم الكتابة ذاتها فلم يشترط أن تكون بخط اليد فأجاز أن تكون رسائل إلكترونية، إضافة إلى أن قانون التحكيم لم يشترط أن يحرر أطراف التحكيم جميعاً اتفاق التحكيم أو مذكرات ورسائل التحكيم في يوم أو تاريخ واحد أو في مجلس أو مكان واحد بل أجاز أن تصدر موافقات الأطراف على التحكيم في تواريخ وأماكن مختلفة، وهذه المسائل كلها من خصوصيات اتفاق التحكيم التي تميزه عن غيره من العقود، وفي هذا الشأن نصت المادة (15) تحكيم على أنه: (ويكون الاتفاق مكتوباً إذا تضمنته وثيقة تحكيم أو برقيات أو خطابات أو غيرها من وسائل الاتصال الحديثة ذات الطابع التوثيقي).
- الوجه الرابع: مدى إشتراط توقيع المحكم على اتفاق التحكيم:
ذكرنا في الوجه السابق أن وثيقة التحكيم قد تكون وثيقة واحدة يتفق عليها الخصوم (أطراف التحكيم)، كما أنها قد تكون وثائق عدة صادرة من كل طرف على حدة، كما قد تكون رسائل موجهة من كل خصم على حدة إما بالطريقة اليدوية أو الإلكترونية، فوثيقة التحكيم التي يقوم بتحريرها الغير بناءً على طلب الخصوم (أطراف التحكيم) تكون حجة على الخصم ولو لم يقم بالتوقيع عليها إذا تم الإشهاد عليها وفقاً للمادة (106) إثبات، أما اتفاق التحكيم إذا كان على هيئة رسائل فلها حجيتها إذا كانت موقعة من الخصم أو صادرة من هاتفه أو الإيميل الخاص به حسبما نصت عليه المادة (111) إثبات، والله أعلم.
*الأستاذ بكلية الشريعة والقانون – جامعة صنعاء