عند محاولة فك طلاسم المشهد الإيراني في خضم المواجهة الكونية الراهنة مع أمريكا والكيان الصهيوني، يصبح من الضروري تجاوز أدوات التحليل التقليدية التي تظل أسيرة المؤشرات الكمية والقراءات الآنية السطحية،
لأن طبيعة الخصم وبنية الصراع تستدعي مقاربة مختلفة تماماً تأخذ في الاعتبار متغيرات أعمق وأكثر تعقيداً تتعلق بفلسفة الوجود ومنطق البقاء، فما يتم التعامل معه في الحالة الإيرانية ليس نظاماً سياسياً بالمعنى التقليدي، أي كياناً قائماً على هياكل مادية صماء يمكن استهدافها بدقة لتحقيق انهيار شامل، بل إن الجمهورية الإسلامية الإيرانية تمثل مشروعاً مجتمعياً متكاملاً بكل ما تحمله الكلمة من معنى، مشروعاً تجاوز كونه سلطة حاكمة إلى كونه نسيجاً فكرياً وثقافياً ضارب الجذور في عمق التاريخ والحضارة، وهذا المشروع يستمد قوته الخارقة ليس من ترسانته الصاروخية فقط، بل من قدرته الفائقة على التجدد الذاتي المستمر، ومن تشابكه العضوي مع هوية قطاعات واسعة من المجتمع لا يمكن فصم عراها، ولذلك فإن استهداف الرموز أو القيادات في مثل هذه البنا الأيديولوجية المتأصلة، لا يؤدي إلى النتيجة المرجوة من قِبل الخصوم مهما بلغت دقة الاغتيالات، حيث أن الفكرة في جوهرها لا تموت بموت الرجال، بل تستمر في التوالد والتكاثر عبر آليات اجتماعية وثقافية معقدة تضمن لها الانتقال من جيل إلى جيل.
وتكشف القراءة الدقيقة للمشهد الميداني في هذا الصراع عن خلل منهجي فادح في قراءة المؤشرات من قبل مراكز التحليل الأمريكية والصهيونية، فتراجع وتيرة الهجمات الإيرانية من مئتين مثلاً إلى مئة وعشرين ثم إلى ثمانين صاروخاً على سبيل المثال لا الحصر، لا يمكن فهمه بمعزل عن سياقه الاستراتيجي الأوسع، ففي حروب الاستنزاف الطويلة، يصبح التحكم بالإيقاع أداة تكتيكية بامتياز تمنح صاحبها اليد العليا، فالقدرة على تصعيد العمليات أو خفضها وفقاً للحسابات السياسية والميدانية الدقيقة تعكس امتلاك زمام المبادرة وفرض إرادة المعركة، وليس الخضوع للضغط أو النكوص عن المواجهة، والطرف الذي يتحكم في ساعة المعركة ومكانها وزخمها هو طرف يمتلك هامشاً واسعاً من القرار الاستراتيجي مهما بدت المؤشرات الكمية متغيرة من زاوية إلى أخرى، وهذا بالضبط ما يميز المدرسة الإيرانية في إدارة الصراع، فهي لا تنفق من قوتها إلا بقدر ما تمليه عليها حسابات المشهد العام.
ولعل نموذج اليمن وغزة يقدمان لنا دروساً بليغة يمكن الاستناد إليها لفهم طبيعة المعركة ونتائجها الحتمية، ففي اليمن على سبيل المثال استمر الصمود الأسطوري لعشر سنوات كاملة في مواجهة تحالف يضم أكثر من سبع عشرة دولة يمتلك تفوقاً عسكرياً ساحقاً وتسليحاً متطوراً من أطراف العالم.
وفي غزة واجهت المقاومة الفلسطينية آلة عسكرية هائلة تغطيها أعتى قوة في المنطقة، فكيف لكيان صغير لا يملك عمقاً جغرافياً ولا تفوقاً جوياً ولا حتى حداً أدنى من المقومات التقليدية للدول، بل يملك فقط إرادة مقاومة متجذرة في الحاضنة الشعبية كالجبل الأشم، والنتيجة كانت عجزاً واضحاً ومخجلاً عن تحقيق أهداف الاقتلاع والتصفية رغم وحشية الأدوات، والسؤال الجوهري الذي يتجاهله المحللون التقليديون هو كيف يصمد كيان بموارد محدودة أمام هذا التفوق المادي الساحق طوال هذه المدة، والجواب الوحيد المقنع يكمن في تحول المعركة من مواجهة عسكرية تقليدية إلى صراع على مشروع وهوية، فحين يدافع الناس عن فكرة وجودهم ومقدساتهم وكرامتهم، تصبح حسابات القوة المادية التقليدية عاجزة تماماً عن تفسير النتائج، بل تنقلب رأساً على عقب.
وهنا يبرز البعد الزمني كمتغير استراتيجي من الدرجة الأولى، فالمشهد الحالي يؤسس لحرب من نوعية مختلفة تماماً لا تخضع لمنطق الحسم السريع الذي اعتادت عليه الحروب التقليدية، حرب تمتد أفقياً عبر الجغرافيا وعمودياً عبر الزمن، حرب لا تخضع لدورات إخبارية عاجلة ولا لتحليلات آنية سطحية، وقد لا يشهد الجيل الحالي نهاية هذا الصراع بكل تفاصيله، لأن ما يُختبر هنا هو قدرة الأفكار الكبرى على البقاء والتجدد عبر الأجيال، وفي هذا النوع من المواجهات المصيرية، لا تُبنى التوقعات على قراءة المشهد الآني أو على نتائج المعارك التكتيكية مهما بلغت أهميتها، بل على دراسة عمر الأفكار وقدرتها على تجديد نفسها في كل جيل.
وفي ضوء ما تقدم من معطيات وتحليلات، تصبح المفاهيم التقليدية للنصر والهزيمة غير قابلة للتطبيق على هذا النوع من الصراعات الوجودية، فإذا كان الخصم كما أسلفنا يمثل مشروعاً مجتمعياً متكاملاً وفكرة متجذرة في عمق التاريخ والوجدان، فإن هزيمته الحقيقية لا تعني انهيار مؤسساته السياسية أو تراجع قدراته العسكرية فحسب، بل تعني انقراض تلك الفكرة من الوعي الجمعي وانتفاء قدرتها على الإلهام والتجدد، وهذا النوع من الهزيمة الوجودية لا يتحقق عبر عمليات عسكرية أو اغتيالات أو حروب اقتصادية مهما بلغت قوتها وتوحشها، بل يتحقق عبر عمليات تاريخية واجتماعية وثقافية معقدة تمتد لعقود وربما لقرون، لذلك فإن أي قراءة تحليلية تراهن على نهاية قريبة للصراع لصالح أمريكا والكيان إنما تتعامل مع الصراع كمعركة تكتيكية محدودة، بينما هو في جوهره حرب استراتيجية كبرى على مشروع هوية ووجود، وفي هذه الحرب بالذات، وبالنظر إلى عمق الجذور الإيرانية وصلابة البنية الأيديولوجية للمشروع، يمكن القول بثقة إن الفكرة الإيرانية تمتلك من عوامل الصمود والقدرة على التجدد ما يجعلها المرشح الأقوى لكتابة الفصل الأخير من هذه المواجهة الطويلة، ليس لأنها تمتلك ترسانة أكبر، بل لأنها تمثل مشروعاً قادراً على إنتاج المعنى واستنهاض الهمم واستنبات الأمل في أرض الواقع، وهذه هي المعادلة الأعمق التي يعجز الأعداء عن فهمها أو التعامل معها.