في زمن تكثر فيه الأكاذيب وتتشابك الروايات، خرج علينا أتباع المشروع الصهيوني وأبواقه الإعلامية المأجورة ليرددوا أن حزب الله قد انتهى، وأن هيبته تلاشت وقوته ذابت تحت وطأة الصبر الاستراتيجي أو ضغط الحسابات المعقدة.
ولطالما تغنى هؤلاء بأن الحزب لم يعد كما كان، متخذين من فترة الهدوء النسبي التي أعقبت توقيع تفاهمات الهدنة الأخيرة مع الكيان الصهيوني - والتي جاءت في سياق دعم غير مسبوق للشعب الفلسطيني المظلوم في قطاع غزة خلال معركة "طوفان الأقصى" البطولية - دليلاً زعموه على وهن الحزب وتراجعه. متناسين أو متجاهلين أن مدرسة المقاومة التي تربت على يدي السيد الشهيد حسن نصر الله، ومن قبله السيد الشهيد عباس الموسوي، هي مدرسة لا تعرف الانكسار ولا تهادن في لحظة الحساب، ولكنها تعرف تمام المعرفة متى تتكلم ومتى تصمت، ومتى تتحرك؛ حتى إذا حانت ساعة الصفر، عادت إلى الواجهة بعنفوان لا يلين وببأس لا يشق له غبار، لتعيد خلط الأوراق وتُسكت كل الأصوات الناعقة التي راهنت على غير رابح.
اليوم، بعد أن عاد الحزب لفرض معادلاته بقوة لا مثيل لها، وأطلق صواريخه الدقيقة لتلهب سماء فلسطين المحتلة وتزلزل كيانات المغتصبين، لم يجد هؤلاء الصهاينة وأذنابهم إلا أن يغيروا لهجتهم وأكاذيبهم. فبعد أن كانوا بالأمس القريب يبشرون بنهاية حزب الله ويحتفلون بتراجعه المزعوم، ها هم اليوم يصرخون بأن حزب الله جرّ لبنان إلى حرب لا تعنيه، وأنه ألقى بالبلد في متاهات صراع لم يكن له داعٍ. وكأن لبنان، الذي ظل يئن تحت وطأة الاحتلال لجزء غالٍ من أرضه ويعاني من خرق يومي لسيادته وانتهاك سافر لحرماته، هو بمعزل عن هذا الصراع! وكأنه كان من واجب اللبنانيين أن يروا جنود العدو الإسرائيلي يتمركزون على تخوم حدودهم، وقد حشدوا 100 ألف جندي مدججين بأحدث الأسلحة الأمريكية، ويتلقون تهديدات قادة العدو التي تلهب بها وسائل إعلامهم بأن لبنان هو الحلقة الأضعف التالية بعد إيران، ثم يقفون مكتوفي الأيدي، وكأن السيادة مجرد شعار يُرفع ولا يُدافع عنه!
هذه الصواريخ التي تنطلق اليوم من لبنان، فتزلزل الأرض تحت أقدام المغتصبين، لم تأتِ من فراغ، ولم تكن نزوة عابرة أو ردة فعل عاطفية. إنما أتت في سياق الرد الطبيعي والحتمي والمشروع الذي تمليه كل الأعراف والقوانين الدولية والإنسانية، على سلسلة طويلة من الاعتداءات التي لم تتوقف لحظة واحدة، حتى في أوقات ما يسمى بالهدنة. فقد ظل الكيان الصهيوني على عادته الغادرة يواصل احتلاله لأجزاء غالية من أرض جنوب لبنان، ويرفض الانسحاب منها، ويواصل غاراته الاستفزازية التي لم تسلم منها حتى سماء البقاع والضاحية، ويواصل اغتيال القادة العظماء على طريق القدس والجنود الأبرار على الحدود، ويواصل قتل المدنيين العزل. وقد تجاوز عدد شهداء العدوان الإسرائيلي المستمر على لبنان أكثر من 500 شهيد، قضوا جميعاً بلا ذريعة ولا مبرر، قضوا وهم في منازلهم أو في سياراتهم أو في حقولهم، فقط لأنهم يعيشون في أرض تطمع بها الصهيونية العالمية، ولأنهم يرفضون الخنوع والاستسلام لسلطة الاحتلال.
إسرائيل هي من بدأت الحرب على لبنان، وهي من لم تتوقف عن اعتداءاتها لحظة، وهي من تمارس سياسة الأرض المحروقة وتقطيع الأوصال. فهل يُعقل بعد هذا كله أن يُطلب من الحزب أن يتفرج على العدو وهو يُجهز العدة لذبح لبنان، وأن يسمع تهديداته العلنية بأن مصير لبنان هو مصير غزة إن لم يكن أشد، وأن يرى حشوده على الحدود، ثم يبقى صامتاً لا يُحرك ساكناً؟ وكأن المقاومة اللبنانية مجرد ديكور سياسي أو منظمة إغاثية!
كلا، إن من يفكر بهذه الطريقة إما أنه جاهل بحقيقة الصراع، أو متواطئ مع العدو الصهيوني. إن المقاومة الإسلامية في لبنان، ممثلة بحزب الله، هي جزء أصيل من نسيج هذه الأمة، وهي خط الدفاع الأول عن كرامة لبنان وسيادته، وهي التي أثبتت للعالم أن لبنان ليس لقمة سائغة في فم الكلاب، وأن الدم اللبناني غالٍ ولا يُباع. لقد أثبتت المقاومة عبر تاريخها الحافل بالبطولات أنها لا تخشى في الحق لومة لائم، وأنها لا تتردد لحظة في الدفاع عن شعبها وأرضها ومقدساتها، حتى لو كلفها ذلك أغلى الأثمان وأعز القادة.
ولذلك فإن عودة حزب الله اليوم إلى الواجهة بهذه العزيمة والبأس الشديد، هي رسالة واضحة إلى كل من راهن على انتهائه، وهي صفعة قوية على وجوه كل الأبواق الصهيونية والعربية التي صدقت أو تمنت أن المقاومة قد ولت بلا رجعة. وهي تأكيد لا يقبل الشك أن خيار المقاومة هو الخيار الوحيد القادر على ردع العدو وإذلاله، وأن معادلة هو "الجيش والشعب والمقاومة" هي التي ستبقى حامية لبنان ودرعه الحصين. وكل من يظن أن حزب الله قد انتهى، فقد حان وقت أن يوقن أن حزب الله هو عنوان العزة والكرامة، وأنه اليوم أكثر قوة وإصراراً على مواصلة الطريق، حتى تحرير كل شبر من أرض لبنان وفلسطين، وإسقاط كل المشاريع التصفوية التي تُدبر ضد الأمة.