في زمنٍ تتبدّل فيه المواقف كما تتبدّل الرياح، وتتساقط فيه ثوابت كثيرة تحت ضغط المصالح والابتزاز، يبرز الإمام السيد علي الخامنئي بوصفه عَلَماً من أعلام الأمة، الذي مثَّل خط الثبات في مواجهة هيمنة الاستكبار العالمي، وفي مقدمته الولايات المتحدة وكيان العدو الإسرائيلي.
لم يكن حضوره مجرّد موقع سياسي، بل تحوّل إلى رمز لمدرسة فكرية كاملة، عنوانها: الاستقلال، ومواجهة الهيمنة، وبناء الوعي.
منذ تولّيه موقع القيادة في إيران عام 1989م، خلفاً للإمام روح الله الخميني – رضوان الله عليه – واجه تحديات مركّبة: حصاراً اقتصادياً، ضغوطاً دولية، صراعات إقليمية، وحروباً ناعمة تستهدف الهوية والثقافة قبل السياسة. ومع ذلك، رسّخ معادلة الصمود، لا بوصفها ردّة فعل مؤقتة، بل خياراً استراتيجياً ممتداً.
لقد شكّلت رؤيته لمفهوم «الاستكبار العالمي» إطاراً تحليلياً لفهم طبيعة الصراع في المنطقة؛ حيث يُقدِّم المشهد بوصفه مواجهة بين مشروع استقلال وكرامة، ومشروع هيمنة وإخضاع. وكان موقفه الصريح من سياسات الولايات المتحدة، وممارسات الكيان الإسرائيلي تجاه الشعب الفلسطيني، جزءاً أصيلاً من هذا التصور.
فالإمام الخامنئي ليس رجل دولة فحسب، بل إمام وعلم من أعلام الأمة، يربط بين النص القرآني وواقع الأمة، ويؤكد أن معركة الوعي تسبق معركة السلاح، وأن بناء القوة الداخلية – علمياً واقتصادياً وثقافياً – هو الضمان الحقيقي للسيادة.. وفي خطابه تتجلّى معادلة واضحة: لا استقلال بلا وعي، ولا كرامة بلا تضحية، ولا سيادة بلا قوة داخلية متماسكة.
كما يُقدَّم في هذا السياق بوصفه امتداداً للنموذج العلوي، نموذج الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام؛ رمز الثبات حين تتكاثر التحديات، والعدل حين تختلط المعايير، والجرأة على قول الحق حين يصمت الكثيرون.
إن استهداف القيادات التي تتبنّى خيار الاستقلال ورفض الهيمنة يُعدّ – في هذا المنظور – جريمة أخلاقية وسياسية مدانة؛ فالقضايا الكبرى لا تُحسَم بالاغتيال، والمشاريع التي تتجذّر في وعي الشعوب لا تُطفأ بإسكات صوت أو إقصاء موقف.. وإن الطريق الذي رُسم بثبات المواقف لا يُترك، والثبات على المبادئ لا يتبدّل بتبدّل الظروف. فميدان الدفاع عن الكرامة يظل مفتوحاً، وخيار الصمود يظل قائماً، والثقة بنصر الله ليست شعاراً عابراً، بل يقيناً راسخاً بقوله تعالى:﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾.
سواء اتّفق معه المختلفون أو خالفه المنتقدون، فإن تأثيره في المشهد الإقليمي لا يمكن تجاوزه؛ فقد أسهم في تشكيل خطاب سياسي يقوم على الصمود الاستراتيجي، وربط السياسة بالعقيدة، والقرار السيادي بالوعي الجمعي.. وفي زمنٍ تُعاد فيه صياغة العقول قبل رسم الحدود، وتُدار فيه المعارك على الوعي قبل الميادين، يبقى الثبات هو الفارق بين أمة تُستدرَج إلى التبعية، وأمة تختار طريق الكرامة مهما اشتدت العواصف.
إن القادة الذين يصنعون تحولات كبرى لا يُقاس أثرهم بطول بقائهم في مواقعهم، بل بعمق الفكرة التي يزرعونها في ضمير الأمة. وحين تتحول الفكرة إلى وعي عام، يصبح المشروع أكبر من الأفراد، وأبقى من الظروف، وأرسخ من محاولات الإقصاء.
وها هو الإمام علي الخامنئي يرتقي شهيداً بعد مسيرة حافلة بالثبات في وجه الاستكبار، لتتحول دماؤه إلى شاهد جديد على أن طريق الاستقلال محفوف بالتضحيات، وأن راية الكرامة لا تُحمل بلا ثمن.. وإذا كان الاستشهاد في منطق الطغاة نهاية، فإنه في منطق القرآن بداية امتداد:﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾.
الشهادة ليست انطفاءً، بل اصطفاء، وليست غياباً، بل حضور أعمق في ضمير الأمة، وليست خسارة في ميزان الحق، بل ربح في ميدان الخلود.
شهيد الأمة.. لم يورِّث منصباً، بل ورَّث وعياً، لم يترك خطاباً عابراً، بل ترك مشروعاً ممتداً، لم يغادر ساحة الصراع، بل انتقل من موقع القيادة إلى مقام الشهادة.. وسيبقى السؤال الذي يطرحه الدم الطاهر على الأمة: هل نحفظ العهد؟ هل نصون الفكرة؟ هل نثبت كما ثبت؟ هكذا تُختتم المسيرة: برحيل الجسد، وبقاء النهج، بصعود الروح وامتداد المشروع، بشهادة تُكتب في سجل العزة، ويقين بأن وعد الله حق لا يتخلّف.
رحم الله الإمام الشهيد، وتقبّله في عليين، وجعل دمه نوراً يهدي درب المستضعفين، فالمشروع أكبر من الأفراد، والراية لا تسقط ما دام في الأمة من يحملها.