الشهيدة افتهان المشهري وسطور من تاريخها
أنا لست مع من قال إن الحرب صنعت نجاحات افتهان، فالحرب عمرها لا تصنع أمجادًا.. الحرب ما فيها إلا الدمار والقتل، الحرب ما فيها إلا حية أو حنش، وهذا الشأن لا يحتاج إلى جدال.
الواقع أن افتهان منحها الله موهبة الإبداع في العلم والعمل.. نعم موهبة الإبداع كانت حاضرة في حياتها، والدراسة صقلتها.. الحاج محمد أحمد المشهري درس أولاده وبناته أفضل تدريس، ورباهم أفضل تربية، وأثمرت جهوده ونجحوا في معترك الحياة بالعلم والعمل، وكانت افتهان المميزة بالعلم والعمل إلى آخر نفس من حياتها.. الكل يشهد لها أنها لم تساوم على الحق.. قالت الدكتورة نجلاء في الإهداء:
"إلى روح أبت أن تساوم على الحق، إلى نبض ظل يزرع الأمل في أرض أنهكها الألم.. إلى تلك التي رحلت جسدًا وبقيت أثرًا لا يمحى.. إلى افتهان المشهري التي علمتنا أن الكلمة موقف، وأن الموقف حياة.. هذا الكتاب ليس وداعًا، بل لقاء جديد في حضرة ذكراك، نستعيد فيه ملامحك، نصغي إلى صوتك بين السطور، ونقسم أن تظل رسالتك حية ما حيينا.. سلام على روحك التي ما انطفأت، وسلام على الطريق الذي رسمته بالنور والصدق والشجاعة."
العبارات أعلاه هي كلمات الإهداء التي خطتها الدكتورة أنجيلا سلطان المعمري إلى روح صديقتها افتهان، وكلمات الإهداء هي استهلال الكتاب الذي أعدته الدكتورة أنجيلا المعمري بمساعدة من شقيقتها فاتن والأستاذة شروق عبدالرزاق الرفاعي.
في العدد الماضي كتبنا عن بعض محتويات الكتاب، وفي هذا العدد نستكمل ما تيسر نشره من هذا الكتاب الذي وجدناه عالي الجودة ومضمون النتيجة.
ملاحظة:
أنا وعدد من رفاقي أعضاء فيلق أنصار حقوق الإنسان اطلعنا على كتاب التأبين المكون من مئتي صفحة، فوجدنا أن كل صفحة أفضل من الأخرى، واختيار عنوان الكتاب "افتهان المشهري أيقونة التغيير المؤسسي" كان موفقًا.. وقد حاولت أنجيلا أن تعيد لصديقتها الشهيدة الحياة بالكلمات المعبرة عن حزن الفقد.
قال أحد رفاقي: "من أعد هذا الكتاب يستحق الشكر". قلت له: "أشرفت على إعداده الدكتورة أنجيلا بنت البروفيسور سلطان عبدالعزيز المعمري، أستاذنا في جنوب الوطن قبل أكثر من أربعين عامًا.. هل تذكره؟" أجاب: "طبعًا أذكره، من ينسى أساتذة أمثاله؟" وقال آخر: "اكتب كلمة شكر لمن أعد الكتاب على هامش المقال الثاني عن الشهيدة افتهان المشهري". قلت له: "حسنًا".
والآن أقول: بالأصالة عن نفسي ونيابة عن رفاقي أعضاء فيلق أنصار حقوق الإنسان، نشكر الدكتورة أنجيلا المعمري على إعداد كتاب تأبين الشهيدة افتهان المشهري، وأضيف: سلامًا عليكِ يا أنجيلا يوم ولدتِ، ويوم تموتين بعد عمر طويل، ويوم تبعثين عائشة.
عودة إلى الموضوع: إن كتاب تأبين الشهيدة افتهان المشهري - سلام الله عليها - يحتوي على العديد من المقالات وبيانات النعي وبيانات الإدانة للمجرمين الذين اغتالوها.. وقد نشرنا بعضها في العدد الماضي، وسننشر الباقي في هذا العدد.. الأستاذة فاتن سلطان المعمري كتبت مقالًا عنوانه "وجع القلب الذي لا يهدأ"، وهذا نصه:
"كيف يرثى من كانت الحياة نفسها حين تبتسم؟ ما زال عقلي يرفض الاستيعاب والتصديق، وكان خبر اغتيالك مجرد كابوس سيزول، لكن الأيام تمر وتصر على قسوتها، تذكرني كل صباح أن الحقيقة أبشع مما احتملت. كنتِ الأخت والصديقة التي لا تكررها الأيام. كنت النقاء في زمن تلوث بالزيف، والصدق الذي قاوم الأكاذيب حتى آخر لحظة. لم تساومي على الحق، ولم تخشي في قول الحقيقة لومة لائم، حتى حيث أحاطت بك أيادي الغدر، ظلت شامخة، نقية القلب، ثابتة الموقف. افتهان.. كم من مرة قلتِ إن الطريق صعب، وإن الحق مكلف، لكنك واصلت السير فيه بثبات لا يشبه إلا إيمانك العميق بما تفعلين.. رحيلك ترك فراغًا لا يملأ، وغصة تخنق الكلمات كلما نطقت باسمك.. سلام على روحك الطاهرة التي كانت تضيء كل مكان تمرين به، وسلام على شجاعتك التي لن تُنسى."
السيرة الذاتية:
اسم الشهرة: افتهان أو فهنة المشهري.
الاسم الرباعي: افتهان محمد أحمد المشهري.
تاريخ الميلاد: 26/5/1980م.
مكان الميلاد: قرية المشاولة، مديرية المعافر، محافظة تعز.
مراحل الدراسة: درست من المرحلة الابتدائية إلى الجامعية في مدينة تعز، ونالت درجة البكالوريوس والماجستير في إدارة الأعمال من تعز.
شغلت مناصب إدارية وأكاديمية بارزة، كان آخرها مدير عام صندوق النظافة والتحسين بمحافظة تعز، وهو المنصب الذي أثبتت فيه جدارتها القيادية، وحولت من خلاله الصندوق إلى نموذج للعمل المؤسسي الفعال رغم التحديات.
تولت مناصب في جامعة تعز منها: مدير عام دار الجامعة للطباعة والنشر، مدير عام المكتبات، مدير عام مساعد للخدمات الطلابية، المدير المالي والإداري لصندوق التكافل الاجتماعي، رئيس قسم الإعفاءات، مختص الأنشطة الطلابية، مدير العلاقات لصندوق التكافل الاجتماعي.
امتدت خبرتها إلى العمل التنموي كمستشارة وعضو تدريب في صندوق التنمية الاجتماعية.
عرفت الشهيدة بإنسانيتها العالية وخدمتها للفئات المهمشة، فأطلقت مبادرات طلابية واجتماعية منها: توفير باصات مجانية للطلاب القادمين من المناطق البعيدة، بناء منازل للكفيفات، تقديم كراسي للمعاقين، طباعة ملازم جامعية، دورات مجانية للشباب.
أسست قاعة لذوي الاحتياجات الخاصة في المكتبة المركزية بجامعة تعز وزودتها بأحدث أجهزة الحاسوب والمصاحف بلغة برايل، وساهمت في تفعيل المطبعة الجامعية كجهة حكومية إنتاجية تخدم العملية التعليمية، كانت ترى في التعليم والعمل المؤسسي طريقاً لبناء الإنسان اليمني وتعزيز فرص الكرامة والمساواة. انتقلت إلى صندوق النظافة والتحسين، حيث تراكمت بصمة متميزة في إدارة هذا القطاع الحيوي، أعادت تنظيم العمل المؤسسي والإداري، وطورت آليات الرقابة والمساءلة، وحسنت أوضاع العاملين، وأطلقت خطة شاملة لتجميل مدينة تعز من خلال مشاريع الإضاءة وأعادت تأهيل الجولات والنوافير وإنشاء حدائق ومتنفسات عامة للأسر والأطفال، كانت تقول دائماً: تعز تستحق أن تُرى جميلة كما هي في قلوبنا.
في دراستها العليا، جعلت من صندوق النظافة موضوعاً لبحثها الأكاديمي وقدمت خطة استراتيجية لتطويره وإنشاء مصنع لإعادة تدوير النفايات إدراكاً منها لأهمية التنمية المستدامة والبيئة النظيفة.
كانت الشهيدة نموذجًا للمرأة اليمنية القوية، التي تجمع بين الكفاءة الإدارية والنزاهة والرحمة، والالتزام الوطني، مثلت صوتاً مختلفاً في بيئة يغلب عليها الذكور وصمدت أمام كل أشكال التحدي بثبات وشجاعة.
نالت وسام الواجب عام 2025م.
استشهدت في 18/9/2025م، رحمها الله رحمة الأبرار.