الفراغات في مذكرات الخصوم

الفراغات في مذكرات الخصوم

الزيارات: 116

في بعض الحالات، لا تخلو مذكرات الخصوم وعرائضهم من الفراغات، كترك تاريخ يوم التصرف أو الواقعة فارغاً، أو ترك رقم المادة القانونية أو نصها فارغاً...إلخ.

وقد أشار إلى هذه المسألة الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 30-10-2016م في الطعن رقم (58384)، والذي ورد ضمن أسبابه: (والدائرة تورد الملاحظات الآتية:
1. أورد مدعي البطلان في عريضته ثم في حافظة المستندات ثلاثة مستندات، ولكن الدائرة لم تجد كل هذه المستندات مرفقة بعريضة الدعوى، مع أن الإجراء الواجب اتباعه هو أن يؤشر على كل مستند برقمه ويتم مطابقة الصورة مع الأصول إن وجدت، وفقاً للمادة (104) الفقرة (ب) من قانون المرافعات بشأن مطابقة الصور على الأصول.
2. كما أن بالملف صورة حافظة مستندات مرفقة من مدعي البطلان، لكن مستنداتها مبعثرة وبعضها غير موجود في الملف.
3. قبول الشعبة لعرائض من أطراف الخصومة تتضمن فراغات. كان يفترض عدم قبولها إلا بعد ملء هذه الفراغات، سواء تعلقت بنصوص قانونية أو بأسباب أخرى. كذلك، لاحظت الدائرة عدم ترقيم صفحات محاضر الجلسات بحسب التسلسل التاريخي مع محتويات الملف.
كل ذلك يسهل على الدائرة مراقبة الإجراءات. وهذه الملاحظات وقع فيها الطاعن نفسه في عريضة الطعن، مع أنه كان قد انتقد الطرف الآخر لهذا الخطأ، ولكنه وقع في نفس الخطأ. فترك الفراغات معيب ومُنتقَد، وعلى محامي كل طرف مراعاته مستقبلاً، لأن الجودة في الادعاء مطلوبة، والوكيل أمين في أداء عمله).

وسيكون تعليقنا على هذا الحكم بحسب ما هو مبين في الأوجه الآتية:

الوجه الأول: المقصود بالفراغات في العرائض والمذكرات:
الفراغات: هي ترك مساحة أو مساحات فارغة من غير كتابة في العريضة أو المذكرة المقدمة إلى المحكمة، فعدم ذكر بعض البيانات في العرائض والمذكرات وترك مكانها فارغاً كتاريخ عقد أو تصرف أو واقعة، أو اسم شاهد أو عميل أو مبلغ، أو رقم المادة التي استشهد بها الخصم، حيث يترك الخصم في موضع هذه البيانات فراغاً على أساس أنه سيقوم بتعبئتها لاحقاً، غير أنه يفوت عليه ذلك، فيقدم العريضة إلى المحكمة دون كتابة البيانات في الفراغات المحددة لها.

الوجه الثاني: الآثار المترتبة على وجود فراغات في العريضة أو المذكرة المقدمة إلى المحكمة:
يترتب على ذلك آثار سلبية عدة، من أهمها جهالة بعض بيانات الدعوى المتصلة بالبيانات الناقصة التي تُركت فراغاً. إضافة إلى أن تلك الفراغات في العريضة أو الصحيفة أو المذكرة دليل على عدم عناية الخصم في كتابتها والتأكد من استيفاء البيانات اللازمة. علاوة على أن ترك الفراغات يجعل الصحيفة أو العريضة عرضة للإدراج من الغير في هذه الفراغات المتروكة. كما أن ترك الفراغات في العريضة يعني أن الخصم قد فَوَّض المحكمةَ في استيفاء البيانات، لاسيما في النصوص والمسائل القانونية، وذلك مخل بمبدأ حياد القاضي.

الوجه الثالث: الوضعية القانونية للفراغات الواردة في المذكرات:
اشترطت المادة القانونية الخاصة بالمرافعات على المحكمة استيفاء البيانات الضرورية في صحيفة افتتاح الدعوى البيانات المتروك محلها فراغ، لأن الخصم عندما أثار أو ذكر في عريضته أو مذكرته وقائع أو تصرفات معينة، قد أراد الاستشهاد ببيانات ترك مواضعها فارغة، أي أنه قد أثار تلك المسائل في عريضته أو مذكراته، فصار عليه لزاماً أن يستوفي تلك البيانات حتى تتمكن المحكمة من مناقشتها، وحتى تتم مواجهة الخصم الآخر بها وتمكين من الرد أو التعقيب عليها، ومن ناحية أخرى حتى تتمكن محكمة الطعن من الرقابة على سلامة الإجراءات وسلامة الاستناد إلى القانون وتطبيقه على الوقائع تطبيقاً صحيحاً.

الوجه الرابع: استيفاء الفراغات في مذكرات الخصوم شرط لقبولها:
قضى الحكم محل تعليقنا بوجوب استيفاء الخصم للفراغات في عريضته أو مذكرته قبل تقديمها إلى المحكمة. وهذا الوجوب يقع أيضاً على عاتق المختصين في المحكمة كقلم الكتاب وأمين السر، ليكون الاستشهاد بالبيانات واضحاً، ولتتأكد المحكمة من صحة البيانات ومطابقتها للوقائع أو النصوص القانونية. إذ لا يجوز للمحكمة أن تستوفي هذه البيانات الفارغة من تلقاء ذاتها، كما أنها لا تستطيع الاستناد في حكمها إلى وقائع مجهولة إذا كان من شأن البيانات الفارغة والناقصة التجهيل بالوقائع أو التصرفات. والله أعلم.

الأستاذ بكلية الشريعة والقانون – جامعة صنعاء

طباعة