سلاطين تعز ومشاهيرها (27)

سلاطين تعز ومشاهيرها (27)

الزيارات: 97

الشهيدة افتهان بنت محمد المشهري

الشهيدة افتهان بنت محمد المشهري استشهدت في 18 سبتمبر من العام الماضي 2025م على أيدي هوامير الفساد في مدينة تعز، في ظل انفلات أمني هناك، بائن بينونة كبرى.

بعد استشهادها، شهدت مدينة تعز وعدن وصنعاء ومدن أخرى احتجاجات رفعت فيها منظمات المجتمع المدني ومنظمات حقوق الإنسان بيانات الإدانة، مطالبة الأجهزة الأمنية بتقديم الجناة إلى العدالة!!
لم تنفع إدانات الداخل اليمني أو العربي والدولي.. واغتيلت الشهيدة افتهان ولا ذنب لها سوى أنها كانت أيقونة التغيير المؤسسي وأنموذج المرأة اليمنية الوطنية المشهود لها بالكفاءة العالية والإخلاص والدفاع عن سيادة القانون والنظام، والدعوة إلى الاحتكام إلى قوانين الوظيفة العامة والملك العام.. ولهذه المواقف الوطنية استهدفتها يد الغدر، في ظل غياب العدالة للأسف الشديد.

امرأة من ضوء وأيقونة تغيير مؤسسي
صدر في فعالية التأبين للشهيدة كتاب موسوم بـ: "افتهان المشهري: أيقونة التغيير المؤسسي"، وكان أول المقالات فيه بعنوان "امرأة من ضوء وذاكرة لا تموت"، تضمن سيرة حياتها منذ مولدهـا إلى يوم الاستشهاد. تكونت اللجنة التأديبية من خمسة دكاترة وأستاذة، وفريق إعداد الكتاب من ثلاث سيدات برئاسة الدكتورة أنجيلا سلطان المعمري، رئيسة قسم علم النفس – كلية الآداب – جامعة تعز. التي قالت في المقال المؤثر لفقد زميلتها وصديقتها بعنوان "مرثية قلب في وداع افتهان المشهري": "خمسة وعشرون عاماً مرت ونحن نتكئ على بعضنا، منذ أن تعرفت إليك وأنتِ في عامك الجامعي الأخير، بينما كنت أنا أبحث عن ملامح طريقي بعد التخرج. يومها شعرت أن القدر أهداني أختاً تسير بجانبي.
ثم جاء ذلك اليوم الأسود، يوم اغتيالك، فكان الخبر صاعقة أطفأت كل ما حولي. ما زلت عاجزة عن استيعاب تلك اللحظات التي وقفت فيها داخل ثلاجة الموتى، أرجو تكذيب ما سمعت، أدعو أن أراك تنهضين فجأة فتخبريني أن الأمر مجرد وهم. لا أعرف من أين استجمعت قوتي لأقوم بدورك، لأجمع شتات العائلة وأهدئ روعهم، وأكون السند الذي كنتِ أنت تمثلينه لهم. كانت لحظات قاسية شعرت فيها أن روحي تتقطع من الحزن، وأن دموعي تختبئ بداخلي كي لا يراها أحد.
وحتى حين طُلب مني أن أعد كتاب التأبين لذكراك، وجدت نفسي أمام امتحان آخر للفقد، كل صفحة أنهكتني، وكل كلمة كتبتها شعرت معها أن الحزن يكبر، وكأنني أعيش رحيلك من جديد. ومع ذلك، كنت أشعر أنني أهمس لك في كل سطر بأنك ما زلت هنا، وأن ذكراك تسكن قلبي لا تغادره."

رمز للنزاهة والصمود في وجه الفساد
تضمن الكتاب أيضا مقالاً رائعاً للمحامية أمل محمد الصبري بعنوان: "افتهان المشهري: رمز النزاهة والإصرار في وجه الفساد والمفسدين"، ومما جاء فيه: "الشهيدة افتهان محمد المشهري لم تكن مجرد مديرة لصندوق النظافة والتحسين بمحافظة تعز، بل كانت نموذجاً نادراً في النزاهة والإخلاص والشجاعة، في زمن عز فيه المخلصون. تولت المغدورة افتهان مسؤوليتها في الإدارة بإيمان عميق، وكانت رسالتها واضحة في خدمة وطنها. واجهت الفساد بصلابة نادرة، وكرست جهدها لإصلاح منظومة العمل في إدارة الصندوق المعروف بالفساد منذ سنوات طويلة، مستندة في إدارتها إلى رؤية واضحة وآليات حديثة لإعادة الاعتبار لهذه المؤسسة الخدمية، والتي تمثل شريان الحياة لمدينة تعز.
كانت افتهان المشهري امرأة فولاذية لا تعرف المساومة على الحق، صادقة في مواقفها، صلبة في قراراتها، تؤمن بأن النزاهة ليست شعاراً يرفع بل سلوكاً يمارس بإخلاص وتفانٍ ومسؤولية. أحبت افتهان تعز بصدق نابع من قلبها، عملت ليل نهار من أجل نظافتها وجمالها، من أجل أن ينعكس وجهها الحضاري كما يليق بتاريخ ومكانة هذه المدينة الشامخة.
إلا أن أيادي الغدر لم ترحم هذا النور في تعز، فاغتيلت افتهان المشهري بطريقة وحشية من قبل المجرمين الخارجين عن القانون، أصحاب المصالح الخاصة، أعداء الوطن والنجاح، وأعداء المرأة والحياة. ظنوا أن بإمكانهم إسكات صوت الحق، لكنهم لم يدركوا أن الشرفاء لا يموتون، بل يخلدهم التاريخ، وتبقى سيرتهم منارة للأجيال القادمة.
ستبقى الشهيدة افتهان المشهري رمزاً للمرأة اليمنية القيادية القوية، التي واجهت الفساد بشجاعة، ودافعت عن الوطن بضمير نقي، ودفعت حياتها ثمناً لموقف شريف ونزيه لا ينسى. سلام على روحها الطاهرة، وسلام على كل امرأة تؤمن بأن النزاهة والحق لا يذهبان بذهاب من آمنوا بهما، بل يخلدان في التاريخ وفي نفوس الأجيال ونفوس كل الشرفاء والأحرار."

كلنا افتهان المشهري
في سياق التنديد بجريمة اغتيال الشهيدة افتهان المشهري صدر عن: المؤتمر الثاني للمرأة النقابية العربية – الدار البيضاء، 26 سبتمبر 2025م بيان تنديد للمشاركات والمشاركين جاء فيه : " نحن المشاركات والمشاركين في المؤتمر الثاني للمرأة النقابية العربية المنعقد بمدينة الدار البيضاء بالمملكة المغربية يومي 25-26 سبتمبر 2025م، نعلن إدانتنا الشديدة للجريمة البشعة التي اغتيلت فيها المناضلة والناشطة المجتمعية اليمنية إفتهان المشهري، عقاباً لها على مواقفها الجريئة وجهودها في سبيل مكافحة الفساد.
فقد أقدمت أيادي الغدر على تنفيذ هذه الجريمة البشعة في مسعى مفضوح لتكميم الأفواه الحرة، وتوجيه رسالة تهديد لإخماد أي نفس إصلاحي تقدمي.
وبقدر إدانتنا لهذه الجريمة النكراء، فإننا ندعو السلطات اليمنية إلى:
•فتح تحقيق عاجل وكشف تفاصيل الجريمة، وتقديم الجناة إلى العدالة، وتسليط أقصى العقوبات عليهم.
•تحصين التحقيقات من أي محاولات للإفلات من العقاب.

واعتباراً للرمزية الخطيرة لهذه الجريمة، فإننا:
•نحذر من أن سياسات الترهيب والقمع لن تزيد فينا إلا إصراراً على لعب دورنا من أجل مجتمعات السلم والتنمية الشاملة والعدالة.
•ندعو كل المناضلات النقابيات العربيات إلى فضح هذه الجريمة في كل المحافل الدولية.
•ندعو كافة لجان المرأة النقابية بالمنطقة العربية إلى اتخاذ شعار "كلنا افتهان المشهري" عنواناً لليوم العالمي للمرأة 8 مارس 2026م .. كلنا افتهان المشهري.. عاشت المرأة العربية حرةً مناضلةً منتصرةً.

جريمة صادمة تتطلب تحقيق شفاف
قتلت افتهان المشهري صباح الخميس 18 سبتمبر 2025م برصاص مسلحين أثناء وجودها في سيارتها بشارع جولة سنان بمدينة تعز جنوبي غرب البلاد، في جريمة هزت الرأي العام.
وبالتزامن مع إحياء الأمم المتحدة للذكرى السنوية لـ"إعلان بكين" وقرار مجلس الأمن "1325"، وصف المبعوث الأممي إلى اليمن، هانس غروندبرغ، اغتيال مديرة صندوق النظافة والتحسين في تعز، افتهان المشهري، بأنه جريمة صادمة ونكسة كبرى لها انعكاسات سلبية على النساء في مواقع القيادة، وعلى عموم النساء في اليمن.
وقال غروندبرغ إن "التحقيق الشامل والشفاف وتقديم الجناة إلى العدالة دون إبطاء ضرورة قصوى"، مشدداً على أهمية اتخاذ تدابير ملموسة لضمان قدرة النساء على أداء مهامهن في مواقع القيادة بأمان، خصوصاً في مجالات مكافحة الفساد وتعزيز الحوكمة الرشيدة والمساءلة الاجتماعية.
وأشار إلى أن شجاعة النساء اليمنيات وقيادتهن ومساهماتهن تمثل ركيزة أساسية لمستقبل البلاد، مؤكداً أن المأساة الأخيرة لا ينبغي أن تثنيهن عن المشاركة الكاملة والآمنة في الحياة العامة، وأن المجتمع الدولي سيظل إلى جانبهن دفاعاً عن حقهن في خدمة مجتمعاتهن بكرامة دون خوف.

المراجع:
مصدر المعلومات الرسمية وأغلب المعلومات الأخرى: كتاب تأبين الشهيدة افتهان المشهري الذي أعدته الدكتورة الفاضلة أنجيلا سلطان عبدالعزيز المعمري، والأستاذة شروق عبدالرزاق الرفاعي، والأستاذة فاتن سلطان.

طباعة