الفقيد محمد عبدالعزيز عبدالرحمن الحمادي
في صبيحة يوم الخميس التاسع والعشرين من شهر يناير الماضي 2026م، انطوت في صنعاء صفحة العمر لكاتب وصحفي مبدع هو العميد محمد عبدالعزيز عبدالرحمن الحمادي.. وفي يوم الأحد الأول من شهر فبراير الجاري، شُيّع جثمانه في العاصمة صنعاء في موكب جنائزي رسمي مهيب.
وشارك في مراسم التشييع أهله وذووه وزملاؤه في دائرة التوجيه المعنوي، وعدد من الأدباء والكتاب والصحفيين، وجمع غفير من المواطنين. وأشاد المشيعون بمناقب الفقيد ومآثره وإسهاماته في إثراء الوسط الإعلامي بكتاباته وإبداعاته في مجال الصحافة والدراسات والأبحاث الاستراتيجية، وتطرقوا إلى دور الفقيد في تأهيل وتدريب العديد من الصحفيين وتطوير وتعزيز مستوى العمل في المرافق الإعلامية التي عمل فيها خلال أربعة عقود مضت.
وتحدث في يوم التشييع العديد من زملائه وأصدقائه عن الفقد و خسارة الفقد:
· الزميل محمد عبدالرحمن عبدالله، قال: إن الفراغ الذي تركه العميد محمد عبدالعزيز فقيد الوطن والقوات المسلحة وفقيد الصحافة اليمنية، فراغ كبير ليس من السهل سده.
· الزميل محمد عبدالله الدجات، قال: لقد خسرنا صحفيًا وكاتبًا من أبرز الكتاب اليمنيين، ومن الصعب تعويض أمثاله – رحمه الله –".
· الأخ رمزي محمد العقربي، أحد أصدقاء الفقيد الذي جاء من محافظة عدن ليلقي النظرة الأخيرة ويشارك في التشييع، قال بصوت متهدج بالبكاء: في هذه اللحظات يصعب الحديث عن حزن الفقد لصديقي العزيز محمد عبدالعزيز. أوجز القول: إني فقدت واحداً من أبرز أصدقائي المخلصين، وخسرت الصحافة اليمنية بشكل عام والإعلام العسكري بشكل خاص، خسروا صحفياً مُقدّراً وفذاً قلّما يجدوا مثله.. الله يعوض الجميع خيراً، إنا لله وإنا إليه راجعون.
محمد عبدالعزيز شهرة تجاوزت الحدود
لم تقتصر شهرة العميد الأديب محمد عبدالعزيز على منطقة سقط رأسه محافظة تعز، أو المحافظة التي نشأ ودرس كل مراحله الدراسية فيها محافظة عدن، بل شملت شهرته كصحفي وكاتب مبدع كل المحافظات اليمنية. والدليل على ذلك أن من الذين حضروا مراسم الدفن هم من معظم مناطق ومحافظات اليمن. وكذلك بيانات النعي، إلى جانب دائرة التوجيه المعنوي (مقر عمله)،وصدرت بيانات نعي من قبل وزارة الدفاع ورئاسة الأركان العامة ونقابة الصحفيين وغيرها. كما نعته شخصياً قيادية سياسية أمثال الفريق سلطان السامعي والدكتور عبدالعزيز بن حبتور وغيرهما، كما أن شهرة محمد عبدالعزيز قد تجاوزت الحدود إلى بعض الدول العربية، فقد بعث الأستاذ الصحفي المصري إبراهيم العشماوي بيان نعي ومقالا مؤثراً في اليوم التالي للوفاة، ومقالات مماثلة للإخوين سمير الطراونة من الأردن وظافير نصر من العراق.
مناقب ومآثر الأستاذ محمد عبدالعزيز
لقد كتب العشرات من الزملاء والمعارف عن مناقب الأستاذ محمد عبدالعزيز وذكروها في بيانات النعي، وأنا هنا لا أود تكرار ما كُتب.. لكنني سأذكر ما لم يذكر مع التنويه أن الأستاذ محمد – رحمه الله – لم يخدم الوطن على مدى أربعين عاماً فحسب (وهي الفترة منذ التحاقه بالعمل عام 1987م)، بل إنه خدمه في مجالات أخرى وهو طالب في سن العشرين. فقد كان طالباً متفوقاً وتبنى مبادرات جماهيرية في مزارع ومرافق إنتاجية منذ أواخر السبعينيات إلى أوائل الثمانينيات، حين أكمل المرحلة الثانوية والتحق بالخدمة العسكرية الوطنية مجنداً. وخلال فترة تجنيده التي دامت عامين، أبدع محمد عبدالعزيز في عمله العسكري (تخصص مدفعية هاون عيار 82 ملم)، وبعد شهور عُيّن مساعداً لقائد بطارية الهاون، وهي حالة نادرة أن يُعين مجند في منصب عسكري ولو كان صغيراً.
بعد تخرجه من الخدمة العسكرية، التحق بجامعة عدن – كلية التربية، تخصص لغة عربية، وتخرج منها عام 1986م بتقدير امتياز.. وفي عام 1987م التحق بالعمل الصحفي العسكري وأبدع فيه حتى تاريخ وفاته.
إن مناقب ومآثر الأستاذ محمد عبدالعزيز عبدالرحمن كثيرة، من أبرزها:
1. الإبداع الصحفي وامتلاكه لغة قوية ومفردات غنية.
2. امتلاكه موهبة وإبداعاً صحفياً لافتاً، تتجلى آياته في مختلف فنون الصحافة، وهي كتابة المقالات والاستطلاعات والمقابلات الصحفية والريبورتاج وغيرها.
3. من أبرز الشخصيات الإعلامية البارزة والمبدعة على كل المستويات الإنسانية والثقافية، ولم يكن متحزباً.
4. كان مثالاً طيباً للأخلاق الرفيعة والمواقف النبيلة والتفاني الحثيث في تعليم وإرشاد الصحفيين الشباب، وكان حزبه اليمن كله.
5. كان محمد عبدالعزيز من الرجال الأفذاذ الذين لم يتوانوا في تأدية الواجب الملقى على عاتقهم، سواءً كان صحفياً أو إدارياً.
6. من سجاياه أنه كان شخصية اجتماعية بمعنى الكلمة.
ذكريات ومواقف لا تنسى
جاء الخريج الجامعي محمد عبدالعزيز عام 1987م إلى مؤسسة الجندي للطباعة والنشر بغرض توظيفه مصححاً لغوياً في صحيفة "الراية"، وتمت الموافقة. وكنت أنا العبدالله المكلف بمعاملة توظيفه، حيث كان عملي الصحفي رئيساً للقسم الرياضي، وعملي الإداري ضابطاً إدارياً للمؤسسة، وكانت رتبتي العسكرية نقيباً. أكملنا معاملة التوظيف خلال أقل من أسبوع، وما زلت أذكر مواقف لا تنسى:
· الموقف الأول: سألني الرائد حسين البري: "هل محمد عبدالعزيز عضو في الحزب؟"، فرد عليه محمد قائلاً: "ليس ضرورياً أن تكون عضواً في الحزب، الأهم هو التخصص والكفاءة"، فرد عليه البري: "أنا معك".
· الموقف الثاني: قال لي النقيب يحيى عبدالله (رئيس تحرير صحيفة الراية): مقالك في هذا العدد يا قردعي ممتاز، أفضل من مقال العدد الماضي"، فقلت له: هو في نفس المستوى، لكن حسنه الأخ محمد عبدالعزيز .
· الموقف الثالث: في عام 2024 ، كرمتني – مشكورة – جمعية الكشافة والمرشدات بشهادة تقديرية ورسالة شكر، بصفتي أول كشاف في جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية. وقد بادر محمد عبدالعزيز بكتابة مقال يهنئني فيه بذلك التكريم. وفي اليوم التالي كلمني أكثر من زميل قالوا: عبارات محمد عبدالعزيز في المقال أقوى من عبارات الشهادة، فقلت لهم: محمد عبدالعزيز دائماً عباراته قوية.
سيرة حياة محمد عبدالعزيز
· اسم الشهرة: محمد عبدالعزيز.
· الاسم الكامل: محمد عبدالعزيز عبدالرحمن يحيى الأموي.
· تاريخ الميلاد: 16 فبراير 1960م.
· مكان الميلاد: قرية الوصيلع، عزلة بني حماد، مديرية المواسط، محافظة تعز.
· انتقلت أسرته إلى عدن عام 1965م.
· نشأ وتربى ودرس كل مراحل التعليم في مدينة الشيخ عثمان، محافظة عدن.
· أدى الخدمة العسكرية الإلزامية سنتين من عام 1979م إلى عام 1981م.
· درس في كلية التربية – جامعة عدن من 1983م إلى 1986م.
· التحق بالعمل مصححاً لغوياً في مؤسسة الجندي للطباعة والنشر التابعة للدائرة السياسية للقوات المسلحة عام 1987م.
· بعد تحقيق الوحدة اليمنية عام 1990م، انتقل للعمل في العاصمة صنعاء في دائرة الصحافة والطباعة والنشر.
· تدرج في الرتب العسكرية من ملازم إلى عميد.
· تدرج في المناصب الصحفية من مصحح لغوي، إلى سكرتير تحرير، إلى نائب مدير تحرير، إلى مدير تحرير، ثم إلى نائب رئيس تحرير صحيفة "26 سبتمبر".
· في عام 2018م، تم تعيينه مستشاراً لمدير دائرة التوجيه المعنوي للشؤون الإعلامية.
توفي بتاريخ 29 يناير 2026م، رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته.