بينما يراهن البعض من المرتزقة والمغفلين على السعودية للحفاظ على الوحدة اليمنية، تكشف الوقائع التاريخية والسياسية أن الرياض عملت منذ زمن بعيد بشكل ممنهج على إضعاف اليمن، وتقويض وحدته، ودعم مشاريع الانفصال،
والسيطرة على ثرواته وأراضيه، في سجلٍ حافلٍ بالعداء الذي لا يزال يلقي بظلاله الثقيلة على حاضر اليمن ومستقبله، فمملكة الشر لم تتوانَ يوماً عن تنفيذ مخططاتها الخبيثة ضد هذا الشعب الأبي .. تفاصيل :
منذ إعادة تحقيق الوحدة اليمنية عام 1990، الذي كان حلماً يمنياً طال انتظاره، لم تكن السعودية قابلة لهذا التوحد الذي اعتبرته يهدد نفوذها وهيمنتها الإقليمية. فسارعت إلى دعم أطراف جنوبية وتسببت في الحرب الأهلية عام 1994، في محاولة لإعلان الانفصال. السعودية الاسم الذي ارتبط بمعاناة اليمنين واليد الخفية التي حطمت أحلامهم في بناء بلد قوي يضمن لهم عيشاً كريماً. تعاملت الرياض مع الوحدة بخُبث، وسعت إلى التأثير على مسارها عبر دعم الانقسامات الداخلية لتزرع بذور الفتنة وتوقد نار الصراع، مؤكدة بذلك أن عداوتها لهذا الشعب متجذرة في تاريخ طويل من التدخلات السافرة التي لا تخفى على أحد.
مؤتمرات ومسرحيات مكسوفة
لم تتوقف مملكة الشر عن عداوتها لهذا الشعب عند حدود الدعم الخفي، بل واصلت سعيها الحثيث لتقويض الوحدة اليمنية عبر أدوات أخرى وبوقاحة لا مثيل لها. مؤتمرات حوار جنوبي، أقيمت برعاية سعودية، لم تكن سوى مسرحية مكشوفة رفعت شعارات الانفصال وأكدت خيار ما يسمى "استعادة دولة الجنوب". هذا الدور يكشف عن استراتيجية خبيثة تهدف إلى سحب ورقة الانفصال من يد الإمارات، لتكون السعودية هي الراعي والمنظم الأساسي لمشروع الانفصال، بما يضمن لها نفوذاً مباشراً ومطلقاً في الجنوب اليمني.
تبن واضح لمشروع الانفصال
إنها محاولة مكشوفة لإعادة ترتيب أوراق التآمر، وتكريس الانقسام تحت ستار "الحوار"، في مشهد يذكرنا بأساليبها القديمة في زرع الفتن والمشاكل وإشعال النار في هذا البلد المكلوم. فما وجدناه من اهتمام سعودي ودعم وترويج كبير في وسائل إعلامها لمشروع الانفصال أمر كافٍ لتوضيح رؤية السعودية في هذا الجانب، فالصحف والقنوات السعودية الرسمية تروج بشكل كبير للانفصال، لا يختلف عن الإمارات، وهذا يوضح لكل عاقل أن مشروعهم واحد هو تقسيم اليمن والسيطرة عليه، وما حصل لم يكن سوى إعادة تدوير بين السعودية والإمارات، بحكم أن السعودية هي الجار الأقرب لليمن، وهي من ستتولى بشكل رسمي تبني مشروع الانفصال بشكل منظم، وما يكسبها ويضمن لها مصالحها وتحت قيادتها. وقد لاحظنا كيف تم تسليم المنافذ والمواقع العسكرية الحدودية والمنشآت الخدمية والمؤسسات للسعودية، وتسليم القيادة العسكرية والإدارية بشكل كامل في الجنوب للسعودية، في مشهد يجسد الاحتلال الناعم الذي يلتهم السيادة.
سياسة إضعاف ونهب للثروات
بلغ الحقد السعودي والكراهية ذروتها في السنوات الأخيرة، عندما أعدت العدة للإجهاز على هذا البلد العريق. فبعد الانهيار التام لمؤسسات الدولة الذي تسببت به مبادراتهم المشؤومة، أعلنت السعودية الحرب على اليمن بشكل علني من منصة البيت الأبيض، في عدوان سافر لم يسبق له مثيل. التدخل العسكري السعودي منذ 2015 حوّل اليمن إلى ساحة صراع طويل الأمد، ضمن سياسة "إضعاف اليمن بما يكفي لئلا يصبح تهديدًا كما تزعم السعودية". لم تكتفِ هذه الهجمة الظالمة والوحشية بالقتل والتشريد وتدمير كل مؤسسات الدولة، إنما امتدت لتشمل نهب الثروات. وهناك تقارير تحدثت عن سيطرة السعودية على المناطق النفطية ونهبها بالتواطؤ مع سلطات سابقة، وحرمان الشعب اليمني من الاستفادة من موارده الطبيعية، في جريمة اقتصادية تضاف إلى سجل جرائمها الإنسانية التي لا تُحصى، وتؤكد أن الهدف ليس استعادة شرعية، بل استنزاف ثروات الأمة.
لم تقتصر سياسات الرياض على التدخل السياسي والعسكري ونهب الثروات، إنما امتدت لتشمل التوسع الجغرافي على حساب الأراضي اليمنية. تمددت السعودية في مناطق حدودية مع اليمن، خصوصًا في الربع الخالي، مستفيدة من ضعف الدولة اليمنية بعد الحرب الأهلية. وقد أدت اتفاقية جدة عام 2000، التي قلّصت مساحة اليمن الفعلية، إلى إفـقاد اليمن أراضٍ لصالح السعودية، وهو ما اعتبره كثير من الباحثين تكريسًا لسياسة التوسع على حساب اليمن، وتأكيداً على أن هذه الجارة العدوة لا تكتفي بما فعلته على مدى العقود الماضية، بل تسعى لابتلاع المزيد من الأرض اليمنية بشكل واسع ولافت، في انتهاك صارخ للسيادة .
في كلمة لترامب كشف أن السعودية تسعى في اليمن للاستيلاء على نفط اليمن. هذه التصريحات تتوافق بشكل مباشر مع معلومات يمنية تفيد بوجود مخازن نفطية في الربع الخالي داخل الأراضي اليمنية وتسيطر عليها السعودية، وهذا يؤكد أن التدخل السعودي ليس فقط سياسيًا أو أمنيًا، بل اقتصاديًا أيضاً يهدف إلى السيطرة على ثروات اليمن النفطية والغازية، ومحاولة لتركيع الشعب اليمني وإبقائه في حالة من الخوف والجوع المستمر، وتجريده من مقومات الحياة الكريمة.
خداع ووقاحة سياسية
يتضح لنا من الأحداث الأخيرة التي شهدتها جنوب اليمن هي إعادة ترتيب أوراق الانفصال بطريقة منظمة تخص السعودية وحدها. الهدف منها هو أن تكون الرياض هي الراعي الأساسي لمشروع الانفصال، بدلًا من الإمارات، لتكريس نفوذها المباشر في الجنوب، وإظهار نفسها كصاحبة القرار النهائي في الملف اليمني. إنها وقاحة سياسية لا ندري على من تريد بها المملكة أن تضحك أو تخدع، فالعالم بأجمعه يعرف ما فعلته باليمن، ويعرف أن القيادة العسكرية للتحالف كانت سعودية إماراتية أمريكية إسرائيلية، ولا يوجد حتى فرد واحد يحمل الجنسية اليمنية في قيادته.
رهان فاشل ووحدة راسخة
أثبتت الأيام أن الدور السعودي في اليمن، منذ ما قبل فجر الوحدة وحتى يومنا هذا، ليس سوى فصل مظلم في كتاب التآمر، يكشف عن استراتيجية: إضعاف اليمن، ضرب وحدته، دعم مشاريع الانفصال، والسيطرة على ثرواته وأراضيه. ومن يراهن على أن السعودية ستثبت الوحدة اليوم هو يتجاهل سجلًا طويلاً من السياسات التي تعمل في الاتجاه المعاكس تماماً، ويغمض عينيه عن حقيقة أن الرياض لا تسعى إلى الحفاظ على الوحدة، إنما إلى شرعنة الانفصال بطريقة منظمة تجعلها هي الداعم والمسؤول الأول عنه، بعد أن سحبت الورقة من الإمارات لتكملها بطريقتها الخاصة.
وتبقى الخلاصة رغم كل ما سبق الإشارة إليه أن اليمن وفي خضم هذا العدوان المستمر منذ الأزل، ظل قوياً يرفض الانكسار ومهما اشتدت المؤامرات، وتعالت أصوات الخيانة، فإن شعباً أبى أن يركع، ورفض أن يستسلم، سيبقى يدافع عن وحدته وكرامته وأرضه، حتى يشرق فجر النصر الذي لا ريب فيه، وتُكتب صفحات جديدة من المجد على تراب اليمن الطاهر.