روسيا كحليف دولي .. بين خطاب القوة وواقع التخلي

روسيا كحليف دولي .. بين خطاب القوة وواقع التخلي

الزيارات: 233

في عالم السياسة الدولية لا تُقاس التحالفات بالشعارات، بل بما تقدّمه لحظة الاختبار، والتاريخ الحديث، إذا قُرئ بهدوء ومن دون انحياز عاطفي، يكشف نمطًا متكررًا في سلوك بعض القوى الكبرى تجاه حلفائها، وفي مقدمتها روسيا الاتحادية.

كثير من القادة والدول راهنوا على موسكو باعتبارها قوة موازِنة للنفوذ الأمريكي، وحليفًا قادرًا على توفير الحماية السياسية والعسكرية في مواجهة الضغوط الغربية، غير أن مسار الأحداث يُظهر أن هذا الرهان كان في حالات عديدة، خاسرًا أو على الأقل مكلفًا للغاية.
من جمال عبد الناصر، الذي لم تحمه العلاقة الوثيقة مع الاتحاد السوفيتي من الهزيمة الاستراتيجية عام 1967، مرورًا بمعمر القذافي الذي تُرك وحيدًا في مواجهة التدخل الغربي، وصولًا إلى علي عبد الله صالح و مانويل نورييغا وغيرهم، تتكرر القصة نفسها، دعم سياسي وإعلامي في أوقات الرخاء، ثم صمت أو تراجع عند اشتداد الخطر.
الحالة السورية شكّلت لفترة استثناءً ظاهريًا، إذ بدا أن روسيا تمسكت بحليفها بشار الأسد، لكن هذا التمسك لم يكن بلا حدود، فقد ارتبط التدخل الروسي بحسابات مصلحية دقيقة، قواعد عسكرية، نفوذ إقليمي، ورسائل موجهة للغرب، ومع تغير موازين الكلفة والمنفعة، بات واضحًا أن الحماية الروسية ليست التزامًا أخلاقيًا أو تحالفيًا بقدر ما هي صفقة مؤقتة قابلة لإعادة التفاوض في أي لحظة.
أما في الصراعات الإقليمية الأحدث، وخصوصًا المواجهات غير المباشرة بين إيران وإسرائيل، فقد برز عامل آخر يزيد من هشاشة صورة الحليف الروسي، وهو الأداء العسكري والتقني، فأنظمة الدفاع الجوي الروسية، مثل S-300 وS-400، التي طالما رُوّج لها بوصفها قادرة على تحييد التفوق الجوي الغربي، أظهرت محدودية وتباين واضح أمام تقنيات التشويش والتكامل العملياتي الأمريكي، خاصة مع الطائرات المتقدمة من طراز F-15 وF-16 وF-35، هذا الواقع لا يطعن في فعالية السلاح بقدر ماهو تنبيه، ينعكس مباشرة على مصداقية الدولة التي تصدّره وتراهن عليه سياسيًا.
في المقابل، لا يمكن تصوير الولايات المتحدة بوصفها حليفًا أخلاقيًا أو وفيًا بالمعنى القيمي، فالسياسة الأمريكية، كما أثبتت التجربة، تقوم على منطق المصلحة الصلبة، ولا تتردد في التخلي عن الحلفاء إذا انتفت فائدتهم أو تعارض وجودهم مع أولوياتها، الفرق الجوهري أن واشنطن نادرًا ما توهم حلفاءها بعلاقة ندّية أو شراكة مصيرية كما وانها اتعس من الروس فهي تتبنى علاقة قوة وهيمنة واضحة المعالم، من يدخلها يدرك ثمنها وحدودها.
الخلاصة أن أخطر ما يمكن أن تقع فيه الدول المتوسطة أو الضعيفة هو وهم “الحليف المنقذ”، لا روسيا ولا أمريكا ولا أي قوة كبرى تقاتل من أجل الآخرين، بل من أجل نفسها فقط، ومن لا يمتلك قراره، وقوته الذاتية، وتوازن علاقاته، سيجد نفسه عاجلًا أو آجلًا ورقةً قابلة للحرق على طاولة المصالح الدولية.
السيادة الحقيقية لا تُستورد، والتحالف الذكي هو الذي يُبنى على تعدد الخيارات لا الارتهان لقوة واحدة، وعلى إدراك أن الصداقة في السياسة مفهوم نادر، إن لم يكن وهمًا.

*كاتب عراقي

طباعة