الشهيد الرئيس الصماد.. إرث من التضحية والفداء

الشهيد الرئيس الصماد.. إرث من التضحية والفداء

الزيارات: 141

تقف الأحرف والكلمات عاجزة أمام الحديث عن الجرح الذي أصاب الوطن وكل قلب يسكن فيه حب اليمن، جرح استشهاد الرئيس صالح الصماد في يوم الخميس الثالث من شعبان1439 الموافق 19 أبريل 2018، بغارة أمريكية غادرة على سيارته بمحافظة الحديدة،

كانت هذه العملية محاولة يائسة من قوى العدوان لكسر إرادة شعب كان الصماد رمزًا لها، إلا أن الأثر الفعلي لاستشهاده تجاوز هذه الأهداف، ليتحول الجرح العميق الذي أصاب الوطن إلى منبع قوة، وليُصبح رمزًا خالدًا في معركة الأمة ضد العدوان..لقد شعر أبناء الوطن بوجع عميق، وتأثرت أرواحهم بجراح الفراق، ليتحول هذا الألم إلى وقود للإصرار على مواصلة المسيرة.
صالح الصماد، الذي ولد عام 1979م في قرية صغيرة بمنطقة بني معاذ بمحافظة صعدة، نشأ في بيئة بسيطة بين الفلاحين والعمال. هذه النشأة أكسبته فهمًا عميقًا لقسوة الحياة وقيم الجهد والعمل والدين..تميزت حياته بالالتزام الديني، حيث كانت ليلته مخصصة للصلاة وقراءة القرآن، وكان يُحيي الأمل في نفوس من حوله. بعد سنوات من الكد والاجتهاد، تخرج من كلية التربية جامعة صنعاء، مبديًا حسًا وطنيًا وولاءً كبيراً لوطنه.
مع مرور الزمن، برزت بصماته كقائد، حيث ارتقى إلى مراتب عليا في الدولة. ولم يكن منصبه مصدرًا للفخر أو الاستغلال، إنما كان دافعًا لزيادة الحرص على الوطن وخيراته، والخوف من الظلم أو غضب الله..كان الصماد يمثل حالة استثنائية بين الحكام، فهو المجاهد الملتزم الذي لم يخضع لأجندات خارجية، وشكل تهديدًا حقيقيًا للأعداء بإخلاصه وأعماله وكلماته. تجسد فيه الإخلاص لشعبه وحبه لوطنه، وسعى لبناء دولة مؤسسات تحقق العدالة وتعكس آمال اليمنيين .
رغم التحديات الخطيرة التي واجهها في ظل العدوان والقصف المستمر وهو يعلم أنه مستهدف إلا أن الصماد، استمر في عمله بشجاعة، محافظًا على صوت الحق في كل المواقف، واجتاز الجبهات العسكرية، وتحدى الصعاب، ليصبح مثالًا يحتذى به للقائد الذي يحب وطنه بصدق.
فكان رمزًا للفخر والصمود والمقاومة. ضحى بحياته في سبيل الله،والمستضعفين من عباده ووطنه. ليظل عبق بطولته وشجاعته مترددًا في آذان الشعب اليمني، الذي يعتز بذكراه ويُكن له الحب والتقدير..لقد ترك إرثًا خالدًا يُلهم الأجيال ويُشعل فيهم روح التضحية والإخلاص.
كان الصماد يتمتع بشغف كبير تجاه أبناء وطنه، يعيش بينهم ويشاركهم آلامهم وآمالهم، وكان يؤمن بأن الخطوة الأولى نحو النهوض هي الوحدة والصمود والتضحية والعمل. كانت كلماته العفوية البريئة تنطلق من حنجرته لتستقر في قلوب أبناء وطنه، الذين كانوا في أمس الحاجة إليها. لم يكن يتحدث إلا من ميادين العمل والجهاد، وسعى جاهدًا لتلبية متطلبات شعبه البسطاء، متنقلاً بين الجبهات سواء الجبهات العسكرية أو جبهات الإنتاج والصناعة وجبهات مواجهة الظلم والفساد. كان دائم الحضور في كل مكان، يحلم ببناء الدولة اليمنية وتحريرها من الأعداء.
أسس الصماد رؤيته على فكرة "يدًا تبني ويدًا تحمي"، وكان هو المثل والقائد في هذا. زار المحافظات والمناطق والأحياء، استمع لمشاكل الناس وسعى لإيجاد الحلول. حلم بأن يقود وطنه إلى النصر، وإلى أرقى مراتب التقدم الاجتماعي والاقتصادي والعسكري. واشتاق لشعبه كما يشتاق الوالد لأبنائه. هذا التواصل المباشر والصدق في الخطاب، هو ما ميز هذا القائد..
عمل الصماد على جمع شمل اليمنيين وسعى للوحدة الوطنية، وهو أول من بدأ بالمشروع العسكري الدفاعي الرادع للعدو، ففي عهده بدأت اليمن بالصناعات العسكرية المتنوعة. بإخلاصه ووفائه، أخرس أعداءه فلم يستطيعوا النيل منه بأي شبهة أو تهمة.
في يوم أسود في عيون اليمنيين، تعرض صالح لغارة غادرة أثناء قيامه بواجبه في معركة عظيمة لمواجهة العدوان.يوم اختاره الله ليكون ضيفه الكريم. رحل دون أن يأخذ من أموال شعبه شيئًا، تاركًا وراءه مظاهر الصمود والاستبسال محفورة في ذاكرة شعبه. كان أثر استشهاده عميقًا، فقد زاد من إصرار الناس على مواصلة المقاومة.
لقد فُجع الشعب لرحيله، رغم أن استشهاده كان متوقعًا، فقد كانت أمنيته الشهادة ولا يليق له إلا بها وكرمه الله بعد أن اختبره بمنصب الرئاسة في أصعب موقف. لم يكن منصب الرئاسة بالأمر السهل عليه، ولكل مؤمن يخاف الله، ولكنه استعان بالله، فأعانه ورحمه وأكرمه بالشهادة. حزن الشعب وسالت الدموع لفقده، فقد كانت خسارة وطنية عظيمة، لكن روحه بقيت تنتصر لهذا الوطن.
إن استشهاد القادة، رغم قسوتها، إلا أنها حياة لأمة. فلا يكون النصر إلا بشهداء، وشهداء عظماء كعظمته. هذه دروس تتعلمها الأمة عامًا بعد عام، وهو ما يتجلى في فلسطين وسوريا ولبنان والعراق، حيث يولد من القائد ألف قائد بأسلحتهم. هذا التحول من الفقد إلى الإلهام، ومن الجرح إلى العزيمة، هو ما يُشكّل جوهر الوعي والإصرار.
لقد تأسست العديد من المؤسسات الاقتصادية والعسكرية والاجتماعية التي تحمل اسم الصماد، وتهدف إلى تعزيز التعليم والتنمية في الوطن وتطوير الصناعات العسكرية المتنوعة. هذه المؤسسات تجدد الأمل في كل مرة يُنظر فيها إلى صورته، حيث أصبحت إرادته رمزًا يقودهم نحو النصر والإصرار على مواصلة الكفاح. بهذا الشكل، سيتذكر الشعب اليمني الشهيد صالح الصماد دائمًا كسيرة عطرة في صفحات التاريخ، كرمز للوفاء والتضحية، وحلم وطن يسعى الجميع لتحقيقه. ستظل كلمات صالح الصماد تتردد في قلوب المحبين لبلدهم، وتواصل باقي الأجيال مسيرته في السير نحو المستقبل الأفضل.
سلام على شهيدنا، سيبقى حيًا في قلوبنا، وستظل شهادته ودماؤه ملهمة لمن بعده بالمضي على نهجه. إن إرث الصماد هو إرث عظيم، يواصل الشعب اليمني حمله، ليُثبت للعالم أجمع أن القيادة الصادقة التي تُصنع من دماء الشهداء وصدق القادة، هي الدرع الحصين في وجه كل محاولات العدو لسيطرة على أوطاننا وانتزاع كرامتنا.

طباعة