شرعنة الغاب ثقافة أمريكية

شرعنة الغاب ثقافة أمريكية

الزيارات: 140

‏ ما جرى مع مادورو رئيس فنزويلا وزوجته يعد سابقة خطيرة غير مسبوقة تنذر بإعادة رسم قواعد اللعبة الدولية، حيث يعد يستخدم العمل العسكري لاعتقال مجرمين فقط، بل لتغيير أنظمة سياسية بكاملها ..

ولم تكن هذه الضربة مفاجِئة تماما بالنظر إلى تاريخ ترامب الحافل بتجاهل القانون والمواثيق، بل ووعوده هو نفسه بالكف عن شن الحروب خارج الحدود وبالطبع ترامب ليس أول رئيس أمريكي يتجاوز القانون ويمعن في انتهاكه في الخارج، غير أنه يضفي على كل أفعاله طابعا دراميا يضاعف من جنون المشهد، فقد حرك قواته وأساطيله وطائراته للقبض على الرئيس الفنزويلي مادورو بتهمة سماحه بمرور مخدرات إلى أمريكا وهي تهمة نفتها فنزويلا كثيرا، لكن ترامب مصمم على اتهامه كما فعل سلفه الجمهوري بوش مع مزاعم امتلاك العراق أسلحة نووية، فكل تدخل عسكري أمريكي قاد إلى الخراب والمأساة والانقسام ولن تكون الغارة الأخيرة على فنزويلا نهاية المطاف.
وبالتالي هذه السابقة الخطيرة تشبه ما جرى باعتقال الرئيس العراقي صدام حسين عام 2003، وهذه العملية في فنزويلا تعيد إلى الأذهان غزو العراق بذريعة الأمن ومزاعم امتلاك أسلحة دمار شامل، وهذه الحقيقة تكشف لهذا العالم بأن لا قانون يحكم، ولا عدالة تُحاكم بل بلطجة وكل طرفٍ يضرب بما في يده ويسمي العصا شرعية إذا كانت في قبضته فهكذا يُدار العالم ومن يملك القوّة يكتب القانون ومن لا يملكها يُحاكَم باسم القانون وأن اختطاف رئيس فنزويلا المعارض للولايات المتحدة والمتمسك بسيادته الوطنية، سابقة خطيرة في انفلات القانون الدولي وعدم احترام سيادة البلدان فنحن دخلنا عهد قانون الغاب بمصراعيه، وهذه السابقة الخطيرة تؤكد أن النظام الدولي غير مفعل وأن العالم رغم الحداثة مازلنا نتحدث عن العصابات والدولة الإرهابية التي تفعل ما يحلو لها أمام صمت العالم والتحكم التام بالقرارات الدولية وهذه ستكون فاصلة في تاريخ هذا العصر وكل الرؤساء يتحسسون رؤوسهم لأن أمريكا بهذه البلطجة أنهت كل القوانين والمواثيق والمعاهدات الدولية.
إنها شريعة الغاب يا سادة التي نراها اليوم تتجسد في أبشع صورها؛ حيث تُنتهك سيادة الدول وتُداس القوانين الدولية تحت أقدام القطب الأوحد المتوحش والغاشم فإن إقدام الأرعن المجرم ترامب على خطف رئيس فنزويلا يأتي ليكرس زمن البلطجة العلنية، حيث تُطمس المبادئ الدينية والأخلاقية والإنسانية، فالحق لم تعد له قيمة أمام فوهة البندقية، وأن القوانين الدولية التي يتغنون بها زورًا ليست سوى حبر على ورق أمام قراصنة يستعرضون عضلاتهم وكأنهم فراعنة العصر، فشريعة الغاب والقوة الغاشمة والبلطجة الأمريكية تحركها المصالح وثروات النفط والسلطة.
وفي المقابل من ذلك ان العالم الغربي يثبت يوما بعد آخر أن لا قانون، ولا قيم ولا أخلاق تحكم العلاقة بين الدول وهذه مجرد بلطجة لا غير، والهدف سلب إرادة الشعوب ونهب ثرواتهم، فقمة البلطجة في العالم أن يُعتقل رئيس دولة من بلده لرفضه منح نفط وموارد بلاده لدولة الإرهاب، ويُعلن البلطجي ترامب توليه إدارة فنزويلا لحين سرقة مواردها حتى لا يتحكم بها ديكتاتور.. فما حدث في فنزويلا ليس استثناءً ولا خطأً تكتيكيا، بل نموذجا يُراد تعميمه ورسالة موجهة إلى العالم بأسره السيادة مشروطة، والكرامة قابلة للمصادرة، والاستقلال تهمة لا تُغتفر ونحن لا نعيش أزمة دبلوماسية، بل مرحلة مكتملة من إعادة تعريف النظام الدولي على أساس القوة الصرفة، فالقانون الدولي يُستدعى حين يخدم، ويُداس حين يُعيق، والمؤسسات الأممية تُستخدم كديكور أخلاقي لشرعنة الإكراه.
باختصار تعيد هذه السابقة الخطيرة رسم خريطة المفاهيم القانونية بين الدول، وتضعف الثقة بالنظام القانوني الدولي القائم على الميثاق والشرعية الدولية وإذا لم يتم التصدي لها بمواقف قانونية ومؤسسية صارمة، فقد تتحول إلى نموذج يحتذى لدول أخرى تسعى لتصفية خصومها في الخارج بالقوة، وإذا تم التساهل مع هذا الحادث، فإن ذلك قد يشكل بداية النهاية لمبدأ سيادة الدول واحترام الحدود السياسية والتغاضي عن هذه السابقة سيؤسس لنظام شريعة الغاب والبلطجة الدولية.
فإذا كانت الولايات المتحدة قد تواطأت في جرائم غزة بتوفير السلاح والدعم السياسي لإسرائيل فمن الطبيعي أن تتمادى في خرق القانون الدولي كما فعلت في فنزويلا، فمن يغض الطرف عن الإبادة لن يتردد في اختطاف رئيس دولة بالقوة ومن المفارقة العجيبة أن ترامب يعتقل رئيس دولة بزعم ارتكاب جرائم، بينما يفرض عقوبات على قضاة المحكمة الجنائية الدولية لأنهم لاحقوا مجرمي حرب من حلفائه الإسرائيليين الذين ارتكبوا أبشع حرب إبادة جماعية ضد الانسانية في غزة، بالاضافة الى جرائم حرب في لبنان وسوريا واليمن.

طباعة