تتعرض الهوية الإيمانية في المجتمع اليمني لاستهداف واسع وممنهج، تقوده قوى معادية للأمة الإسلامية، ويقوم هذا الاستهداف على ركيزتين أساسيتين: التضليل والإفساد. تضليل شامل في المجال الثقافي والفكري والمفاهيمي، يطال الوعي العام،
ويؤثر في المواقف تجاه القضايا والمستجدات، ويعيد تشكيل الرأي العام بما يخدم أجندات معادية. وإفساد متعمد يستهدف الإنسان المؤمن والمسلم، رجلًا كان أو امرأة، ويتركز بشكل خاص على فئة الشباب، عبر ضرب الأخلاق والقيم، وإضعاف الروح الإيمانية، وإفساد النفس، حتى يتحول الإنسان إلى كائن مائع، فاقد للبوصلة، سهل التأثير والاستغلال، قابل للتضليل والإغواء، بلا مناعة فكرية ولا حصانة أخلاقية.
والغاية من ذلك أن يُجرَّد الإنسان من مقوماته التي تحميه في وعيه وثقافته وقيمه واهتماماته، ليصبح مجرد أداة في يد الاستعمار الغربي، ودمية تُحرَّك وفق ما يُراد لها، بعد أن فقدت ارتباطها بالله، وانتماءها لهويتها الإيمانية. فحين تُدمَّر القيم، وتُفرَّغ النفوس، وتُفصل العقول عن مصادر الهداية، يسهل التحكم بالإنسان، والسيطرة عليه، وتوجيهه ضد مصلحته ودينه وأمته.
ويأتي هذا الاستهداف في سياق سعيٍ واضح لأن لا تكون الأمة الإسلامية – والشعب اليمني في طليعتها – أمة صاحبة مشروع ذاتي نابع من هويتها وانتمائها، بل أن تتحول إلى مشروع للآخرين: مشروع للأمريكي، وللإسرائيلي، وللغرب، أمة تابعة، مستعمَرة، مستغَلَّة، تُدار من الخارج، وتُسخَّر ثرواتها وطاقاتها لخدمة أعدائها. وهذا لا يتحقق إلا باستهداف الانتماء الإيماني، وضرب الهوية الإسلامية، والعمل على فصل الأمة عن مصادر الهداية الإلهية، وفي مقدمتها القرآن الكريم والرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
إن السعي لفصل الناس عن القرآن والرسول ليس مسألة فكرية مجردة، بل هو سعي للسيطرة والاستعباد والهيمنة الشاملة، ومصادرة الحرية الحقيقية، ونهب الثروات، والتحكم بالمصير. وهذا ما لا يجوز القبول به أو الرضوخ له. ولا سبيل للتحصن من ذلك إلا بتوثيق الصلة بالله سبحانه وتعالى، وبقرآنه، وبرسوله، صلة وعي والتزام وانتماء عملي. فكلما كانت هذه الصلة أقوى وأعمق، كان الإنسان والأمة أكثر قوة وثباتًا، وأعجز أعداؤهم عن السيطرة عليهم أو إخضاعهم.
وعندما تتحقق هذه الهوية الإيمانية الراسخة، تتحقق معها الحرية بمفهومها الصحيح: التحرر من كل أشكال العبودية لغير الله سبحانه وتعالى، لأنه وحده الرب الحق، والمالك الحقيقي، والمنعم العظيم. وبذلك يتحرر الإنسان من الخضوع للطواغيت، ومن التبعية للبشر، ومن الهيمنة السياسية والفكرية والثقافية، وهذه مسألة محورية في معركة الوعي والهوية.
وعلى المستوى العام، فإن ترسيخ الهوية الإيمانية الجامعة، وتعزيز الارتباط بالقرآن الكريم، والاهتداء به في المواقف والمسارات، والقيام بالمسؤوليات الجماعية من جهاد في سبيل الله، وإقامة للقسط، وأمر بالمعروف، ونهي عن المنكر، هو الطريق العملي لتحقيق استقلال الأمة، وتحررها من التبعية، وحماية المجتمع من هيمنة المنافقين والعملاء المرتبطين بأعداء الأمة، الذين يسعون لتنفيذ أجنداتهم داخل الواقع الداخلي. فالشعب اليمني شعب عظيم، مسلم، ذو هوية إيمانية أصيلة، ولا يليق به ولا يجوز أن يكون خاضعًا لمن يوالون أعداءه ويعملون ضد مصالحه.
وشعبنا، وهو يتحرك في مسيرته الحضارية التحررية، ينطلق انطلاقة واعية، راشدة، مستبصرة، قائمة على نور الله وهديه، لا على الأهواء أو الارتجال أو المصالح الضيقة. إنها انطلاقة تستند إلى مبادئ كبرى، في مقدمتها التحرر من هيمنة أعداء الإسلام والمسلمين، والسير في الحياة على أساس هدى الله، بوصف ذلك مقتضى الإيمان، ومتطلب الهوية، وحقيقة الانتماء للإسلام.
وفي هذه المرحلة الحساسة، نحن كأمة مسلمة بحاجة ماسة إلى عمل جاد ومنهجي لتعزيز وترسيخ الهوية الإيمانية. ويبدأ ذلك من تعزيز الصلة الدائمة بالله سبحانه وتعالى، وبرسوله، وبكتابه، باعتبارها الأساس لكل بناء إيماني وتربية إيمانية وارتقاء روحي وأخلاقي. ومن البديهي، كمجتمع مسلم، أن تكون التربية الإيمانية والتنشئة الإيمانية في صدارة أولوياتنا، في التعليم، والثقافة، والإعلام، والأنشطة العامة.
ونحن كشعب يمني، شعب الإيمان والحكمة، أولى الناس بأن نكون في المقدمة في هذا المجال، وأن نحوز السبق في ترسيخ الهوية الإيمانية في مناهجنا، وفي ثقافتنا، وفي وعينا العام. وبقدر ما نعطي هذا الجانب حقه من الاهتمام، سنلمس أثره العميق في تصحيح واقعنا، وفي النهوض بحياتنا، وفي تعزيز الاستقامة والثبات والعزة، لأن الإيمان قيمة إلهية عظيمة، ارتبطت بها وعود الله بالنصر والرحمة والفلاح في الدنيا والآخرة. والإنسان المؤمن الصادق، المرتبط بالله، والمتأسّي بالأنبياء، والمقتدي بهم، والملتزم بتوجيهات الله سبحانه وتعالى، يحقق إنسانيته على أرقى مستوى، ويجسد القيم الفطرية السامية، وينال الفلاح الحقيقي في الدنيا والآخرة.
كما أن تعزيز الهوية الإيمانية يمثل ضرورة ملحّة لمواجهة الهجمة الثقافية والفكرية الشرسة التي تستهدف الأمة اليوم، هجمة تستهدف العقيدة، وتشوه صورة الإسلام، وتسيء إلى الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وتسعى للسيطرة على العقول والقلوب والمشاعر عبر وسائل الإعلام، ومواقع التواصل الاجتماعي، والقنوات الفضائية. إنها حرب على الوعي قبل أن تكون حربًا على الأرض. وفي مواجهة ذلك، لا بد من توثيق الصلة بالقرآن والرسول، وتعميق الارتباط بمصادر الهداية الإلهية، حتى تكون هذه الصلة قوية بما يكفي لصد كل محاولات التشكيك والتضليل، وحماية المجتمع من الذوبان، والحفاظ على هويته الإيمانية الأصيلة، التي تمثل حصنه الحقيقي، ومصدر قوته، وأساس عزته وكرامته.