بين خيامٍ مُبللَّة، وسقوفٍ تغزوها زمهرير الرّياح.. تعيش غزّة فصلاً جديداً من مُعاناة الشّتاء القارس الذي تسلل في أوج النّزوح وفقدان آلاف المنازل الغزّاويّة؛ بفعل العدوان الصّهيوني المُتوحش الذي طال رُقعتها الصّغيرة منذ عامين مُتواليَين،
فأصبحت تلك الخيام الرّقيقة مُجرَّدةً من الحنان والدفء، ومملوءةً من بُحيرات الطين المُتراكم.
خلال العامين وولوج الثّالث، لم يجد أهل غزّة أسمى سبيل الأمن وإنّ كان هُناك مرحلة خفض التّصعيد رغم النّكث الصّهيوني المُتعمَّد، فمقوّمات البِناء لم تطأ لتنتشل الرّكام وتُعيد بناء ما دمّره العدوان، ولم تتدفَّق حاجيّاتهم الأساسيّة بالكميّة المطلوبة، ولم تلتئم بعد جرح التّخاذل العربيّ الكبير الذي طال أمده في عدم الاكتراث لهذه المظلوميّة الأكثر صَلَفاً وإجراماً!
ولننظر بمجهر اليقين الذي لا يغشاه غمامة اللّاوعي، فإنّ شتاء غزّة ضاهى شتاء سيبيريا التي تُعرف بأقسى الأماكن برودةً، لكنّ غزّة اليوم أضحت سيبيريا العرب، فأطفالها لا يجدون ما يُقيهم من ضراوة الصّقيع النّاخر عظامهم، ونساؤها لا تعرف سبيل تجفيف اللّحاف والملابس المُخضَّبة بمُستنقعات الوحل؛ لتشهد مجدداً موجة الموت البطيء الذي لازمها جوعاً وبرداً وتخاذلاً!
إنّ تنصّل الأنظمة وصَممها عن هذه المأساة جرح غائر يطعن في خاصرة غزة، ولم يجلب لها سوى اشتراكها المُباشر في جريمة الإبادة والتّجويع، وأرَّخت في بطون تأريخها المشؤوم حكاية أسذج معالم الشّجب والإدانات دون أن تُمعن في التّحرك الجاد لكسر غرور الصَّلَف والرِّهاب من غضب مُجرمي الحرب، المُتقنين فنّ الفرعنة على بُلدان المنطقة.
رغم الإمعان الوحشي للعدوّ الصّهيوني في استمرار حصاره وإجرامه، والإيعاز العملائي في التواطؤ لسياسة النّفاق وإصدار مراسيم التنديدات، فإنّ الاقتصاص الإلهي سيطالهم كُلما طال أمد عتوّهم وكفرهم.. وكما أبهر أهلنا في غزّة العالم بصموده أمام نيران الشّر وأنيابه، فإنّه وبالتّوكل على الله سيجعل من شتائه ربيعاً يُجني ثمرة عزّته وكرامته شامخ الرأس، ومرفوع الهامة.