الأصل أن صاحب أي حق إذا أراد المطالبة بحقه أمام القضاء أن يقتصرَ طلبه على ما هو حق له دون أن يكذب ويتجاوز بدعواه حدود الحق المملوك له إلى المطالبة بما ليس له.
والقائلون بعبارة: "اطلب الباطل يأتيك الحق" كاذبون للأسف الشديد، والأولى بهم أن يقولوا: "اطلب الباطل يُضيع الحق"، فمن يدعي بحق أمام القضاء عليه أن يتمسك بالحق كما هو دون أن يزيد عليه.
عليه أن يورد الوقائع والأسباب التي بُنِي عليها حقه دون أن يزيد، عليه أن يطالب من عليه الحق فقط دون أن يدعي على أشخاص لا علاقة لهم بالحق الذي يدعيه. وللأسف الشديد، في اليمن، بسبب تدني الوعي والثقافة الشرعية والقانونية، ستجدون أن كثيرًا من الخصومات باعثُها هو الكيد وما يقال عنه "مقاضاة أغراض". فعلى سبيل المثال، المدعي بدعوى قسمة مخلف مورثه.. يرفع دعواه ويطالب بقسمة مخلف مورثه ويدخل من بينها أموالاً ليست مملوكة لمورثه وإنما مملوكة لأحد الورثة، والمدعي يعلم أن هذا المال ليس لمورثه وإنما لأحد الورثة، ولكنه يكايد ويضغط ويصر على طلب قسمة ما ليس للمورث، ولو استطاع أن يخدع المحكمة فلن يردعه ضميره أن يترك ما ليس له بل سيأخذه حرامًا وسيعتبر نفسه ذكيًّا وبارعًا في أكل ما ليس له.
البعض يرفع دعوى بالاعتداء على أملاكه ضد عشرة أشخاص دفعة واحدة، والمدعى عليه في الحقيقة هو شخص واحد، وإنما أدخل تسعة آخرين إلى جانبه كمدعى عليهم لأن لديهم شهادة تكذب دعوى المدعي، فأدخلهم كمدعى عليهم فقط ليقول: هؤلاء خصوم لا تقبل شهادتهم، بينما هم أصلاً شهود وشهادتهم تضر بالمدعي، فلم يجد المدعي طريقةً إلا أن يفتري عليهم كذبًا أنهم من المدعى عليهم المعتدين.
قد تحدث قضية قتل والمتهم فيها شخص معلوم وواضح، وقد وقعت الجريمة بحضرة عدد من الناس، فيقوم ولي الدم يدعي بارتكاب الجريمة ضد القاتل وضد غيره بسبب خلافات سابقة بينهم، فيستغل الجريمة ويستغل الخلاف السابق ويستغل حضور هذا الشخص بالصدفة، فيدعي ضده أنه محرض ومتمالئ وقاتل ويطلب محاكمته، بينما هو لا تربطه أي صلة بالقاتل ولا بالسبب الذي وقعت الجريمة كنتيجة له، وعند مروره بالطريق وقعت الجريمة أمامه وهو مارّ بالصدفة. وبعد أن يتبين للجهات المعنية أن الجريمة ارتكبها شخص واحد وليس للآخرين أي علاقة، تجد ولي الدم يتشكى ويتبكى هنا وهناك ويريد اتهام كل خصومه بأنهم متآمرين ومحرضين، حتى أولئك غير الموجودين.. كذب وتضليل على الناس وعلى القضاء.
نهاية المطاف قد يحكم على القاتل الرئيسي بالحبس والدية.. والسبب كذب ولي الدم حين ادعى أن كل المتواجدين متآمرين ومحرضين ويجعل منهم خصوماً، وهو ما يدفعهم ربما للامتناع عن أداء الشهادة أو تغيير أقوالهم أو بطلان الاستدلال بأقوالهم، كون ولي الدم نفسه هو من صنع منهم خصوماً.. فيضيع حقه ويضيع دم المجني عليه بسبب كذبه وقيامه بتوظيف دم من هو وليه للانتقام من أشخاص لا علاقة لهم بالجريمة سوى أن هناك خلافات بينه وبينهم.
الكذب لا يوصل إلى الحق، الكذب يضيع الحق.. تمسك بحقك وقابل من عليه الحق دون غيره.. والقيام بالكذب والمطالبة بما ليس لك حق فيه أو توجيه المطالبة لمن ليس لك حق عليه سيجعلك تفقد حقك وتضيعه. السبب أن المحكمة تتعامل مع طلبات المدعي بكل جدية وتأخذها كلها مأخذ الجد، وتعقد لأجلها جلسات وتبذل جهداً وعنايةً وتهدر وقتاً لنظر هذه الطلبات، فإذا استبان لها أن المدعي قد كذب بواقعة أو بسبب من أسباب طلبه أو كذب بتوجيه دعواه ضد شخص لا علاقة له بها، فإن هذا يثير الشك والريبة لدى المحكمة بدعوى المدعي بأكملها، ويجعل المحكمة تتعامل معها على أنها وقائع غير دقيقة، وأن المدعي كاذب ومكايد ويتعمد تضليل القضاء، وتبذل كل الحرص والحذر في التحقق منها وإثباتها. وربما المحكمة قد لا تقتنع بدليل يقدمه المدعي لقناعتها بكذب دعواه وكذب أدلته، والسبب أن المدعي ثبت كذبه بجزء مهم من دعواه.. فلا تكذبوا في دعاويكم كي لا تضيع حقوقكم.