أصدر الاتحاد العام للغرف التجارية والصناعية اليمنية تقريراً اقتصادياً تحليلياً باللغتين العربية والإنجليزية، تحت عنوان: "التوظيف في اليمن: إحصاءات حديثة واتجاهات مستقبلية".
ويتناول التقرير الذي أعدته الأستاذة رنا الجعوني، مسؤول مركز الدراسات والبحوث في الاتحاد تحليلاً معمقًا لاتجاهات التوظيف المستقبلية في الجمهورية اليمنية، في ضوء التحديات الاقتصادية والإنسانية التي فرضها النزاع المستمر، وتأثيراتها على بنية سوق العمل، مع التركيز على الفرص المتاحة لإعادة تنشيط الاقتصاد عبر دعم القطاعات الواعدة وتطوير رأس المال البشري. وفيما يلي أبرز مخرجات التقرير:
يعاني الاقتصاد اليمني من ارتفاع حاد في معدلات البطالة، خاصة بين الشباب والنساء، نتيجة لانكماش القطاعين العام والخاص، حيث تجاوز معدل بطالة الشباب 32% في 2023، بينما بلغت بطالة النساء نحو 38%، ما يعكس فجوة واضحة في الوصول إلى فرص العمل.
يتيح التوسع في مشاريع الطاقة المتجددة، لا سيما الطاقة الشمسية، فرص عمل في تركيب وصيانة الأنظمة، خاصة في المجتمعات غير المخدومة بشبكات الكهرباء، ويعزز من فرص التحول نحو اقتصاد مستدام.
يُعد الاقتصاد الرقمي من أكثر القطاعات الواعدة التي يمكن أن توفر فرص عمل نوعية ومستدامة للشباب، في مجالات مثل البرمجة والتسويق الرقمي والعمل الحر، رغم تحديات البنية التحتية الرقمية المحدودة.
يشهد قطاعا الصحة تزايدًا في الطلب نتيجة الأزمة الإنسانية، ما يستدعي تأهيل كوادر صحية جديدة وتوسيع برامج الرعاية المجتمعية، خاصة في مناطق النزوح والتجمعات السكانية الهشة.
تبرز المشاريع الصغيرة والمتوسطة كوسيلة فعالة لتحفيز النمو الاقتصادي المحلي وخلق فرص عمل مستقلة ومرنة، خاصة في الصناعات الغذائية والحرف والخدمات التجارية، بشرط توفير الدعم المالي والتقني اللازم.
يُعد التعليم الفني والمهني خيارًا استراتيجيًا لإعادة بناء المهارات الفنية والتقنية لدى الشباب، وركيزة أساسية في جهود إعادة الإعمار، بشرط تحديث المناهج وربط التدريب بسوق العمل.
يمثل قطاع الزراعة والصناعات الزراعية أحد المرتكزات الاستراتيجية لتعزيز الأمن الغذائي والتشغيل الريفي، مع الحاجة لتحديث أساليب الإنتاج وربطها بالأسواق وسلاسل القيمة.
تلعب الجامعات دورًا متزايدًا في تطوير المهارات الحديثة للخريجين من خلال دمج التكنولوجيا وريادة الأعمال واللغات في المناهج، مما يعزز جاهزية الخريجين للاندماج في الاقتصاد المعاصر محليًا وإقليميًا.
وقت تضمن التقرير الذي حصلت صحيفة اليمن على نسخة منه، عدة محاور مدعة بالأرقام والبيانات منها : معدلات البطالة بين الشباب والنساء، حجم القطاع غير الرسمي في التوظيف، مساهمة القطاعات الاقتصادية في التوظيف، جهود تطوير المهارات والتدريب الفني والتقني، توجهات سوق العمل الرقمي وريادة الأعمال، القطاعات الاقتصادية الواعدة وفرص التوظيف، الصحة العامة والخدمات الاجتماعية، الطاقة المتجددة والاقتصاد الأخضر، الخدمات اللوجستية وسلاسل الإمداد، قطاعات واعدة أخرى، العوامل المؤثرة على سوق العمل في اليمن وغيرها
خرج التقرير بعدد من التوصيات التي ستساهم في تنشيط سوق العمل اليمني مستقبلًا منها:
في ضوء التحليل أعلاه لمختلف جوانب مشهد التوظيف في اليمن، يتضح أن النهوض بسوق العمل يتطلب مقاربة شاملة متعددة المسارات. فيما يلي مجموعة من التوصيات الاستراتيجية المبنية على الأدلة والاتجاهات الراهنة، الكفيلة – في حال تبنيها – بتنشيط سوق العمل وخلق فرص مستدامة خلال السنوات القادمة:
1. إحلال السلام والاستقرار كأولوية قصوى: لا يمكن لأي جهود تنموية أن تؤتي ثمارها دون إنهاء النزاع وضمان الأمن. لذا تأتي التسوية السياسية المستدامة في مقدمة التوصيات لتنشيط الاقتصاد ككل وسوق العمل تحديدًا. سيمكن السلام من إعادة فتح كافة المناطق للنشاط الاقتصادي، واستعادة الثقة لجذب الاستثمارات المحلية والأجنبية، واستئناف مشاريع إعادة الإعمار الكبرى التي ستولد فرص عمل واسعة.
2. الشروع فورًا في برامج "الإنعاش الاقتصادي السريع" بعد الحرب: لضمان امتصاص البطالة المرتفعة وتوفير دخل للأسر، يجب تنفيذ برامج عاجلة كثيفة العمالة في مرحلة ما بعد النزاع. مثلًا، برامج النقد مقابل العمل التي تشغل آلاف الشباب في إزالة الأنقاض وإصلاح الطرق والمنشآت العامة بشكل مؤقت. وأيضًا برامج دعم سبل المعيشة للنازحين والعائدين (منح أدوات ومواشي وبذور لاستئناف الزراعة، قوارب ومعدات للصيادين) بحيث يعود الناس لأعمالهم بسرعة. هذه التدخلات السريعة تعمل كجسر بين الإغاثة والتنمية وتمنع الركود في الفترة الانتقالية.
3. الاستثمار المكثف في تنمية المهارات والتعليم التقني: يعد تأهيل رأس المال البشري الركيزة الأهم لتعافي سوق العمل. توصي التقارير بتوسيع برامج التدريب المهني للشباب على المهن المطلوبة في إعادة الإعمار (مثل البناء، السباكة، الكهرباء، الميكانيكا) جنبًا إلى جنب مع دعم التعليم التقني العالي في مجالات الهندسة وتكنولوجيا المعلومات والطب كما ينبغي تحديث مناهج الجامعات لإكساب الخريجين مهارات ريادة الأعمال واللغة الإنجليزية والحاسوب، وإقامة شراكات مع القطاع الخاص لتدريب الطلاب عمليًا. الاستثمار في التعليم سيضمن وجود قوة عمل مؤهلة تلبي احتياجات الاقتصاد المتجدد. وتشير تحليلات البنك الدولي إلى أن زيادة نسبة التعليم والتوظيف للنساء على وجه الخصوص يمكن أن يرفع نصيب الفرد من الدخل طويل الأجل بنحو 85% إذا تساوت مع الرجال – مما يبرز أهمية فتح التعليم والعمل للجميع دون تمييز.
4. تفعيل برامج واسعة لدعم المشاريع الصغيرة وريادة الأعمال: من الضروري تمكين الشباب رواد الأعمال من تحويل أفكارهم إلى مشاريع على الأرض. يتطلب ذلك توفير حاضنات أعمال في المدن الرئيسية، وتقديم حزم تمويلية ميسرة (قروض صغيرة أو منح) لمن لديهم مبادرات في قطاعات واعدة (زراعية، تقنية، حرفية وغيرها) وكذلك تدريب أصحاب المشاريع على إعداد خطط العمل والتسويق. نجاح مشروع صغير قد يعني توظيف عدة أفراد من العائلة أو الجيران، ومع تكاثر العشرات من هذه المشاريع في كل منطقة سيكون الأثر تراكميًا. لقد أثبتت تجارب ما قبل الحرب وما بعدها أن المشاريع متناهية الصغر قادرة على الصمود في الظروف الصعبة إذا حصلت على الدعم الفني والمالي اللازم. لذا يجب أن تكون سياسات التشغيل القادمة صديقة لريادة الأعمال ومبسّطة الإجراءات لإطلاق الأعمال (تسجيل النشاط التجاري، الحصول على التراخيص، الخ).
5. إعادة إعمار البنية التحتية بوتيرة عالية وتوطين الوظائف فيها: مع تدفق أموال المانحين لإعادة الإعمار، يجب تصميم العقود والمشاريع بحيث تستوعب أكبر قدر ممكن من العمالة المحلية. مثلاً، تقسيم المشاريع الكبيرة إلى حزَم أصغر يمكن للمقاولين والعمال المحليين تنفيذها، ووضع شروط بتوظيف نسبة معينة من اليمنيين في الشركات الأجنبية التي ستنفذ بعض الأعمال. أيضًا يمكن إنشاء معاهد بناء سريعة لإعداد الشباب مهنياً للعمل في مشاريع الطرق والإسكان. بهذه الطريقة، تتحول عملية الإعمار ذاتها إلى قاطرة للتوظيف وليس مجرد إعادة تأهيل مادي. كما أن إنجاز البنية التحتية سيحسن بيئة الأعمال ويشجع استثمارات القطاع الخاص التي بدورها تخلق وظائف جديدة – إنه تأثير مضاعف محبذ.
6. إصلاح السياسات الاقتصادية الكلية لتعزيز النمو واستقرار الأسعار: لا بد من استعادة دور مؤسسات الدولة في إدارة الاقتصاد لضمان الاستقرار المالي الذي يشجع على التوظيف. يشمل ذلك توحيد البنك المركزي وضبط التضخم وسعر الصرف لضمان قدرة أرباب العمل على دفع رواتب مجدية. وأيضًا تفعيل سياسة مالية توسعية تركز على الإنفاق الاستثماري بدلاً من التوظيف العشوائي في الجهاز الحكومي. إن تحسن المؤشرات الكلية (كهبوط التضخم واستقرار العملة) سيعيد تنشيط القطاع الخاص ويحفزه على التوسع وتوظيف المزيد. إضافة لذلك، أي رفع لرواتب موظفي الدولة سيسهم في زيادة الإنفاق الأسري وبالتالي يحرك عجلة الطلب على سلع وخدمات ويوجد فرص عمل غير مباشرة.
7. تمكين المرأة اقتصادياً وإزالة العوائق أمام مشاركتها: سبق وأشرنا إلى أن مشاركة النساء تكاد تكون الأدنى عالميًا (5%). تمكين المرأة للعمل ضرورة اقتصادية واجتماعية، ويتطلب خطوات مثل: إطلاق برامج تدريب مهني مخصصة للنساء (في الخياطة، التصنيع الغذائي، التقنيات المنزلية، وغيرها)، توفير حضانات للأطفال في أماكن العمل لتسهيل عمل الأمهات، تشجيع المشاريع المنزلية النسوية عبر منح وقروض ميسرة، ورفع الوعي المجتمعي بأهمية عمل المرأة. كذلك تعيين النساء في برامج الأشغال العامة والإغاثة لضمان شمولهن. وقد أكد برنامج الأمم المتحدة الإنمائي وغيره أن إدماج المرأة في القوة العاملة اليمنية هو مفتاح لتحقيق تنمية شاملة من هنا فإن أي إستراتيجية تشغيل يجب أن تراعي نصف المجتمع المهمل حاليًا وتزيل العقبات التشريعية والاجتماعية أمام مشاركته.
8. تعزيز الحوكمة وسلامة بيئة العمل لمحاربة الاقتصاد غير الرسمي: ينبغي العمل تدريجيًا على دمج الاقتصاد غير الرسمي في المنظومة الرسمية لتنمية أعمال أكثر استدامة وتنظيمًا. يمكن تحقيق ذلك عبر تبسيط إجراءات تسجيل الأعمال الصغيرة وإعفاءها مؤقتًا من الضرائب أو تقديم حوافز (كمنح أولوية في المناقصات أو توفير تمويل) مقابل انتقالها للعمل الرسمي. أيضًا تطوير نظام للتأمينات الاجتماعية والصحية للعمال يجعل الانخراط في الوظائف الرسمية أكثر جاذبية. وبالتوازي، يجب تطبيق قوانين العمل بمرونة تحمي العاملين من الاستغلال دون أن تثقل كاهل أصحاب العمل الصغار. إن تنظيم سوق العمل سيؤدي إلى فرص عمل "لائقة" وتحسين الإنتاجية العامة. ووفق توصيات منظمة العمل الدولية، فإن دعم مسار الانتقال من الاقتصاد غير المنظم إلى المنظم يعد من الأولويات لتحقيق نمو احتوائي في اليمن.
9. تبني خطط تنموية خاصة بالمناطق الريفية والمناطق الأكثر تضررًا: لضمان توزيع عادل لثمار التعافي، يجب إعداد خطط تنموية إقليمية تراعي احتياجات المناطق المختلفة. مثلا، منطقة تهامة الزراعية (محافظة الحديدة) يمكن أن تكون محور برنامج وطني لتطوير الزراعة والتصنيع الغذائي هناك وتشغيل آلاف العمال والمحافظات الشرقية (حضرموت، المهرة) يمكن أن تُخصص لها مشاريع في الثروة السمكية والمعادن والبنية السياحية لتشغيل السكان المحليين بدل اقتصار التنمية في عدن وصنعاء فقط، هذه النظرة المتوازنة تضمن عدم تجمع كل فرص العمل في المدن الكبرى، مما قد يفاقم الهجرة الداخلية، كما ينبغي إعطاء أولوية للمحافظات الأكثر تضررًا بالحرب عند إطلاق مشاريع جديدة، لتخفيف معدلات البطالة والفقر المرتفعة فيها وإعادة دمج أبنائها اقتصاديًا.
10. تكامل الجهود الدولية مع الخطط الوطنية للتوظيف: أخيرًا، على الحكومة اليمنية العمل مع المانحين والمنظمات الدولية لوضع رؤية مشتركة لإنعاش سوق العمل. يتضمن ذلك مواءمة خطط الإصلاح الاقتصادي (خاصة برنامج البنك الدولي وصندوق النقد) مع هدف خلق الوظائف، بحيث لا يكون التركيز فقط على استقرار الاقتصاد الكلي بل أيضًا على ضمان حماية اجتماعية وبرامج تشغيل. وكذلك طلب مساعدة تقنية من منظمة العمل الدولية لتحديث سياسات العمل والتدريب. كما يمكن إنشاء صندوق دولي لدعم التوظيف في اليمن يساهم فيه المانحون وتنفذ عبره مشاريع بناء القدرات والتوظيف المؤقت للشباب حتى يستعيد القطاع الخاص عافيته. إن تنسيق جهود الجهات المختلفة سيمنع الازدواجية ويعظم الأثر.
هذه التوصيات العشر تشكل في مجموعها خارطة طريق أولية للتعامل مع أزمة التوظيف في اليمن. بالطبع، تنفيذها يتطلب موارد مالية والتزامًا سياسيًا وإداريًا قويًا، بالإضافة إلى تحسينات في البيئة الأمنية. ومع ذلك، فهي خطوات ضرورية وحيوية لتفادي السيناريو الأسوأ المتمثل في ترسخ البطالة الجماعية والتهميش الاقتصادي لقطاع واسع من الشعب. لقد أظهر الشعب اليمني قدرًا كبيرًا من الصمود وريادة الأعمال الذاتية خلال الحرب – فكثيرون ابتكروا طرقًا للعيش والنجاة في غياب الدولة. الآن حان الوقت لبناء شراكة جديدة بين الدولة والمجتمع الدولي والقطاع الخاص لتوجيه هذا الصمود نحو إعادة بناء الاقتصاد وخلق الفرص. إن تمكين اليمنيين من العمل والكسب الكريم سيعيد لهم كرامتهم ويزيل أحد أكبر أسباب الهشاشة والصراع، ويمهد الطريق لسلام واستقرار دائمين في هذا البلد العريق.