مال وأعمال

زراعة الأرز .. تجربة رائدة بامتياز في ( أسلم وقفل شمر) بمحافظة حجة

الزيارات: 249

من قلب جغرافيا الأرض الزراعية ذات الأساسات والمقومات والإمكانات اللازمة، وتجسيداً لحقيقة الإرادة والعزيمة اليمنية التي باتت تبهر العالم اليوم بقدرتها على تطويع المستحيل،

زراعة الأرز .. تجربة رائدة بامتياز في ( أسلم وقفل شمر) بمحافظة حجة

من قلب جغرافيا الأرض الزراعية ذات الأساسات والمقومات والإمكانات اللازمة، وتجسيداً لحقيقة الإرادة والعزيمة اليمنية التي باتت تبهر العالم اليوم بقدرتها على تطويع المستحيل،

انطلقت تجربة زراعة الأرز بمديريتي "قفل شمر" و"أسلم" بمحافظة حجة كــ "ثورة بيضاء" تكتسح القيعان والوديان بعد ربع قرن من الغياب وملحمة زراعية تستلهم إرث الآباء والأجداد الذين ملأوا تلك الوديان خضرةً وإنتاجاً لمحصول الأرز في غابر الأزمان.

هذه التجربة جاءت لتعيد صياغة مشهد السيادة الغذائية، مؤكدة نجاح المزارع اليمني في كسر حاجز الصورة النمطية التي حصرت زراعة الأرز في أقاصي الشرق والجنوب الآسيوي بين الهند وباكستان.
من خلال الصبر الاستراتيجي الذي مارسه ويمارسه الفلاح اليمني اليوم، تتجلى مكامن قوة وقدرة الدراما الإنسانية في صناعة التحول الزراعي والنهوض الاستثماري من خلال إطلاق العديد من التجارب الزراعية الحديثة التي تكللت بنجاح باهر أثمرت فيه الأرض سنابل خضراء تقف اليوم شامخة في الكثير من قيعان ووديان الجمهورية اليمنية.

حقول خضراء تضج بالحياة
وفي هذا السياق لم تكن تجربة زراعة الأرز في مديرية "قفل شمر" إلا الشرارة التي أشعلت فتيل الثورة الزراعية في جارتها مديرية "أسلم"، حيث تشكلت ملحمة زراعة "الأرز اليمني" وتكللت بالنجاح الكبير في رسم خارطة المستقبل عبر تحويل أكثر من (25) هكتاراً من أراضيها المغمورة إلى حقول خضراء تضج بالحياة، في مشهد يجسد انتقال اليمن من مرحلة التجارب الرمزية إلى مرحلة الإنتاج الاستراتيجي الواسع.

حذر وجهد مضاعف
وعلى الرغم مما تتطلبه زراعة الأرز من حذر وجهد مضاعف في الرعاية والري يثبت المزارع اليمني من جديد وتثبت الأرض اليمنية حقيقة القدرة على إنتاج هذا المحصول الزراعي الحيوي المهم، وتؤكد الشهادات الحية من أرض الواقع والميدان أن هذا الانبعاث الجديد لزراعة الأرز يمثل استعادة لذاكرة الأرض التي حبست أنفاسها منذ عام 2000م حين توقفت زراعة الأرز نتيجة موجات الجفاف وشحة المياه، وأن محصول "الأرز اليمني" منتج زراعي استعاد أصالته وتجدد حضوره في قيعان ووديان محافظة حجة بمجرد أن تدفقت جداول المياه وتضافرت جهود المزارعين مع توجهات الدولة نحو الاهتمام بالجانب الزراعي ودعم المنتج المحلي.

خصوبة كافية
وفيما يسعى المزارعون في قيعان ووديان (أسلم وقفل شمر) بمحافظة حجة وبوتيرة متصاعدة، لتوسيع رقعة الزراعة بشكل كثيف، ليس فقط لإحياء موروث زراعي، بل فرض واقع اقتصادي جديد في يمن الحاضر والمستقبل.
تثبت هذه التجربة أن الكثير من قيعان ووديان مديريات محافظة حجة تمتلك من الخصوبة ما يكفي لرفد السوق المحلية بمتطلباتها الرئيسية من منتج الأرز المحلي اليمني.

شهادات حية
ووفقاً لمزارعين من أبناء مديريتي (أسلم وقفل شمر) بمحافظة حجة تحدثوا لمجلة الاستثمار بلسان الفخر فقد بدأت التجربة بمساحات رمزية، لتتحول اليوم إلى حقول شاسعة تضج بالحياة عبر امتدادٍ جغرافي وتاريخي يعكس وحدة المصير والإرادة.
ويؤكد مزارعو المنطقة أن الموسم الحالي هو "موسم خير وبركة" بامتياز، إذ تمكنت الفرق الميدانية بالتعاون مع جمعية أسلم من تغطية القيعان بتوفير الشتلات والإرشاد الزراعي، وصولاً إلى مرحلة التجفيف والتسويق، في عملية متكاملة تهدف إلى إحياء بذور "الأرز البلدي" العريقة ودمجها مع أصناف مستوردة عالية الجودة، مما خلق بيئة تنافسية أعادت الاعتبار للوطن والإنسان اليمني.

طفرة إنتاجية بلغت 40%
وفي هذا السياق كشفت لغة الأرقام عن تحول نوعي في مسار الإنتاج لعام 2025م؛ فبينما لم يتجاوز إنتاج العام الماضي (17) طناً، قفز المحصول في هذا الموسم إلى عتبة (30) طناً وربما يتجاوزها ليصل إلى (50) طناً من الأرز الجاهز للتعبئة، في طفرة إنتاجية بلغت 40%.

نجاح ووعي مجتمعي
تجلت ملامح هذا النجاح في تحول المساحات المغمورة بالمياه إلى واحات خضراء اكتست بأصناف من البذور المحلية العريقة، وأخرى مستوردة ذات جودة عالية، حيث تضافرت جهود مكتب الزراعة والجمعية التعاونية والاتحاد الزراعي لإسناد المزارعين بالمدخلات والشتلات والإرشاد الميداني اللازم .
كان للوعي المجتمعي المتنامي بضرورة التحرر من تبعية الاعتماد على الخارج، والاستفادة من التغيرات المناخية التي رفعت منسوب المياه السطحية خلال السنوات الأخيرة، ووفرت بيئة مثالية تتراوح حرارتها بين 20 و 35 درجة مئوية، دوره الكبير في الاندفاع الشعبي نحو إعادة الروح لزراعة "الأرز البلدي" ذي الجودة المتميزة والسلالة الأصيلة وتوطينها من جديد في قيعان ووديان مديريات محافظة حجة.

عوائق تقنية
ورغم هذا النجاح الذي يمثل استثماراً ذكياً لخصوبة التربة ووفرة المياه السطحية التي جادت بها السماء خلال السنوات الخمس الأخيرة، ليتحول المزارع اليمني من مستهلك للأصناف المستوردة إلى منتج لأرز يتفوق بجودته ونقائه على ما سواه، منافساً في قيمته الغذائية ومذاقه الأصيل.
مع ذلك، لا يزال هذا الطموح الزراعي يصطدم بعوائق تقنية تقف حائلاً دون النمو والتطور الإنتاجي الكامل، حيث تبرز الحاجة الملحة إلى آلات تقشير حديثة قادرة على استيعاب الكميات الضخمة، والحفاظ على سلامة الثمرة كاملة، بدلاً من الأساليب البدائية التي تستهلك الجهد والوقت.

جدوى اقتصادية
وعلى الرغم من استمرار استخدام الأساليب البدائية في الحصاد، إلا أن الجدوى الاقتصادية لتجربة زراعة الأرز اليمني بدأت تفرض منطقها على الأرض، إذ يتم تسويق المحصول بأسعار تنافسية تصل إلى (25) ألف ريال يمني للكيس الواحد (50 كيلو)، وهو ما عزز من صمود المزارع اليمني في وجه الأزمات المفتعلة، محولاً الأرض التي ظلت لسنوات "بوراً" إلى ميدان مواجهة مفتوح يبرهن من خلاله أن الاكتفاء الذاتي هو السلاح الأمضى لتحقيق الاستقرار الاقتصادي وعدم الاحتياج للغير .
وتبقى الخلاصة أن تجربة عودة زراعة وإنتاج محصول الأرز إلى مديريتي "أسلم وقفل شمر"، هي عودة قوية لمحصول سيادي يفتح آفاقاً واعدة لتوسيع المساحات المزروعة في مختلف القيعان المغمورة، مجسداً نموذجاً حياً للتعاون بين المجتمع والجهات الرسمية في سبيل دعم الاقتصاد الوطني وعلى طريق الاستمرار في السعي نحو تحقيق هدف الاكتفاء الذاتي من منتج الأرز اليمني الوطني الخالص الذي يحمل نكهة ومذاق وطعم البلدة الطيبة.
*نقلا عن مجلة يمن الاستثمار

طباعة