د. علي الرحبي:
في أروقة البنوك المركزية ببروكسل وواشنطن، لم تعد الحرب تُدار بالمدافع فحسب، بل عبر "أرقام" في حسابات مصرفية مجمدة.
تمثل قضية الـ 300 مليار دولار من الأصول السيادية الروسية المحتجزة لدى الدول الغربية منذ فبراير 2022، نقطة تحول تاريخية في مفهوم "الحصانة السيادية"، حيث انتقل الغرب من مربع "التجميد" إلى مربع "الاستيلاء المقنن"، في خطوة يصفها الخبراء الاقتصاديون بأنها مقامرة قد تنهي عهد هيمنة العملات الغربية.
وتستعد العواصم الأوروبية، مدفوعة بضغط أمريكي، لتنفيذ ما يُسمى بـ "قرض التعويضات"، وهو التفاف قانوني يسمح باستخدام عوائد الأموال الروسية لتمويل المجهود الحربي في أوكرانيا. ومن منظور أكاديمي، يمثل هذا الإجراء خروجاً عن ميثاق الأمم المتحدة الذي يضمن حصانة أملاك الدول.
وتهدف محاولة "إمبريالية المال" الحالية إلى تحويل النظام المالي العالمي إلى سلاح هجومي (Weaponization of Finance)، حيث لا يتم الاكتفاء بحرمان الدولة من الوصول لثروتها، بل يتم تسليح تلك الثروة ضدها.
هذا المسار يثير قلقاً عميقاً في بكين والرياض وبرازيليا، حيث بدأت هذه العواصم تدرك أن "أمان" أصولها في الغرب مرهونٌ بمدى توافق سياستها مع الرؤية الغربية.
بالمقابل لم تقف موسكو مكتوفة الأيدي أمام ما تسميه "عملية سرقة القرن". وتعتمد استراتيجية الكرملين لاستعادة الأموال أو التعويض عنها على ثلاثة محاور رئيسية:
- التأميم المضاد: حيث تسيطر روسيا حالياً على أصول وودائع لشركات وبنوك غربية (مثل "يوروكلير" و"جي بي مورغان" وشركات طاقة كبرى) داخل الأراضي الروسية. وقد أصدرت المحاكم الروسية قرارات بالحجز على أموال هذه المؤسسات كرد فعل أولي، مما يجعل أي مصادرة غربية للأصول الروسية انتحاراً اقتصادياً للشركات الغربية المستثمرة في روسيا.
- استهداف "السمعة الدولية": وتعمل الدبلوماسية الروسية على تصوير الغرب كـ "قرصان مالي"، مما يحفز دول "بريكس" على تسريع بناء نظام مالي بديل (BRICS Pay) بعيداً عن سيطرة "سويفت" والدولار.
- المقاصة الكبرى: تراهن روسيا على أن استعادة الأموال ستكون جزءاً من "صفقة شاملة" عند انتهاء الحرب. فلا يمكن توقيع أي معاهدة سلام دائمة دون بند صريح يقضي بفك تجميد الأصول مقابل تنازلات سياسية أو ميدانية.
وفي ضوء ما تقدم ذكره فإن الخطر الأكبر الذي يواجه الدول الإمبريالية اليوم ليس الرد العسكري الروسي، بل "الهرب الجماعي" للرساميل العالمية. فإذا أصبحت المصادرة عرفاً دولياً، سيفقد اليورو والدولار جاذبيتهما كملاذات آمنة إضافة إلى "إن تحويل الأموال السيادية إلى غنائم حرب سيكسر العقد الاجتماعي المالي الذي قام عليه نظام 'بريتون وودز' منذ الحرب العالمية الثانية."
وتبقى الخلاصة أن طريق استعادة روسيا لأموالها يمر عبر صمودها الاقتصادي وقدرتها على إيلام الخصم في قطاع الاستثمارات المتبادلة. حيث تعد المعركة معركة "عض أصابع" مالية؛ فمن يصرخ أولاً سيفقد سيادته المالية.
وبغض النظر عن النتيجة، فإن العالم بعد "مصادرة الأصول الروسية" لن يكون كما قبله، حيث بدأ عصر "التعددية القطبية المالية" فعلياً، وبدأت الثقة بالنظام المصرفي الغربي تتآكل لصالح بدائل أكثر استقلالاً.
في الأخير تبرز أهمية الإشارة إلى أن هذا المقال يتبنى وجهة نظر تحليلية نقدية للسياسات المالية الغربية، ويمكن تزويده برسوم بيانية توضح توزيع الأصول الروسية في أوروبا (بلجيكا، فرنسا، ألمانيا) لزيادة التفاعل.