مال وأعمال

الصناعات الدوائية في اليمن.. من فجوة الاستيراد إلى رهانات الاكتفاء الذاتي

الزيارات: 459

في بلد يواجه واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية في العالم، لا يبدو الحديث عن الدواء ترفًا، بل مسألة حياة أو موت. فالصناعات الدوائية في اليمن تقف اليوم عند مفترق طرق حاسم: إما الاستمرار في الاعتماد شبه الكلي على الاستيراد، أو التحول الجاد نحو تحقيق الأمن الدوائي عبر التصنيع المحلي.

الصناعات الدوائية في اليمن.. من فجوة الاستيراد إلى رهانات الاكتفاء الذاتي

في بلد يواجه واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية في العالم، لا يبدو الحديث عن الدواء ترفًا، بل مسألة حياة أو موت. فالصناعات الدوائية في اليمن تقف اليوم عند مفترق طرق حاسم: إما الاستمرار في الاعتماد شبه الكلي على الاستيراد، أو التحول الجاد نحو تحقيق الأمن الدوائي عبر التصنيع المحلي.

اليمن - الإدارة الاقتصادية

حيث تقدر فاتورة استيراد الأدوية في اليمن بمئات الملايين من الدولارات سنوياً، و تشير تقديرات متفرقة إلى أرقام تتراوح بين 100 مليون دولار في تقارير أقدم، وتصل إلى حوالي 88 مليار ريال يمني (ما يعادل حوالي 165 مليون دولار بسعر الصرف حينها) في تقارير حديثة (أواخر 2024)، وتعتمد الأرقام على السياق الجغرافي والأسعار المتغيرة، مع وجود تحديات كبيرة تتعلق بالتهريب والفساد في القطاع.
وقد أوضح تقرير حديث صادر عن الهيئة العليا للأدوية عن حجم المبالغ المالية الكبيرة التي يتم إنفاقها سنوياً مقابل استيراد الأدوية من الخارج.
و تضمن التقرير إحصائية رسمية عن حجم الاستيراد للأدوية والمستلزمات الطبية من الخارج خلال الأعوام السابقة، حيث بلغت التكلفة الإجمالية لاستيراد الأدوية من قبل القطاع العام والمنظمات والجمعيات العاملة في اليمن خلال العام الماضي 2018 حوالي (29.028.638.605)، بينما كانت تكلفة الاستيراد من قبل القطاع الخاص المستوردين والوكلاء خلال العام 2018 فقط حوالي (54.406.398.179).
وأشارت الاحصائية التي نشرتها الهيئة العليا للأدوية إلى المبلغ الإجمالي لحجم الاستيراد عبر كل القطاعات في اليمن بلغت خلال العام المنصرم 2018 نحو(87,364,840,918) بزيادة قدرها 20 ملياراً مقارنة بالعام 2017 التي كلف الاستيراد فيها 67,075,695,140 فيما تفاوتت المبالغ بنسب مختلفة كل عام، وقد أظهرت الاحصائية أن حجم الاستيراد للأدوية والمستلزمات الطبية من الخارج في العام 2013 بلغ (108,813,619,526) وفي العام 2014 بلغت 110,860,885,819 وكان اجمالي الاستيراد في العام 2015 نحو(55,913,196,482) وقد شهد ارتفاعاً كبيراً في العام 2016 الذي وصل إلى( 78,640,775,706) بصورة متقاربة مع العام المنصرم 2018.

سوق ضخم وإنتاج محدود
بحسب بيانات الهيئة العليا للأدوية والمستلزمات الطبية، يبلغ حجم الطلب السنوي على الأدوية في اليمن نحو 391 مليون دولار، في حين لا تتجاوز مساهمة الإنتاج المحلي 10.63% فقط من إجمالي هذه القيمة. أرقام تكشف فجوة كبيرة بين الاحتياج والقدرة المحلية، وتطرح تساؤلات جوهرية حول أسباب تعثر هذا القطاع رغم أهميته الاستراتيجية.
وتشير الإحصاءات ذاتها إلى أن الفجوة السنوية المستهدفة في قطاع الدواء تصل إلى نحو 195.5 مليون دولار، وهو ما يجعل السوق اليمنية واحدة من أكثر الأسواق اعتمادًا على الخارج في تأمين احتياجاتها الدوائية.

جذور الصناعة .. تاريخ قديم وطموح متجدد
بدأت الصناعات الدوائية في اليمن عام 1964 مع افتتاح مصنع "يدكو"، قبل أن تتوسع لاحقًا لتشمل عددًا من المصانع والمعامل الوطنية. وقبل عام 2014، بلغ عدد الأصناف الدوائية المنتجة محليًا نحو 1910 صنفًا، في مؤشر على قدرة كامنة لم يُكتب لها الاستمرار بوتيرتها الطبيعية.
ورغم ذلك، وحتى عام 2011، لم تكن الصناعات الدوائية الوطنية تغطي سوى 10% من الاحتياج المحلي، مقابل 90% من الأدوية المستوردة، في وقت كانت تُبذل فيه جهود لربط الصناعة الدوائية اليمنية بنظيرتها في دول مجلس التعاون الخليجي، قبل أن تعصف الأزمة بهذه المساعي.

كورونا .. حين كشف الامتحان الحقيقي
شكّلت جائحة كورونا اختبارًا غير مسبوق للصناعات الدوائية المحلية. فمع إغلاق المنافذ وتعطل الاستيراد، وجدت البلاد نفسها أمام نقص حاد في الأدوية الأساسية. حينها، تحركت المصانع الدوائية اليمنية بصورة جماعية لتغطية الاحتياجات الإنسانية، وأنتجت أصنافًا متعددة، من بينها فيتامين (C) والمحاليل الوريدية.
ووفق تقارير إعلامية، ارتفعت نسبة الإنتاج المحلي خلال تلك الفترة إلى نحو 30%، مع استعداد المصانع لتجهيز ما يقارب 1200 صنف دوائي. هذا التحول لم يكن رقميًا فقط، بل انعكس على وعي المجتمع وثقته بالدواء المحلي، بعد سنوات من التشكيك في جودته.

من السوق المحلي إلى التصدير
وكشف تقرير صدر حديثاً عن وزارة الصحة إن عدد الأصناف الدوائية المصنعة محلياً تبلغ ألفاً و818 صنفاً ، وتم إنشاء 38 خط إنتاج أدوية خلال العام الماضي ، كما أوضح التقرير أنه تم حصر 66 صنفاً من الأصناف الدوائية على الصناعة المحلية ، وهناك توجه حكومي لتوطين ألف صنفٍ من أصناف الدواء خلال الخمس السنوات القادمة ، وذلك ضمن الخطوات والإجراءات التي اتخذتها الحكومة لتوطين الصناعات الدوائية ، ودعم وتشجيع الاستثمار في قطاع صناعة وإنتاج الأدوية محلياً ، وهو ما يفتح المجال أمام المزيد من الشركات للاستثمار في هذا القطاع الحيوي الهام ، خاصة مع إعلان الحكومة عن استعدادها لتقديم المزايا والتسهيلات التي تشجع المستثمرين ورجال المال والأعمال على الاستثمار في مجال الصناعات الدوائية، لم تتوقف نتائج هذا التحول عند حدود السوق اليمنية، إذ بدأت بعض المصانع الوطنية بتصدير منتجاتها إلى دول عربية وأفريقية، مثل الصومال، في خطوة تعكس تحسن الجودة وقدرة الدواء اليمني على المنافسة خارج الحدود.
ويرى مختصون أن هذا التوجه يمثل فرصة حقيقية لتحويل الصناعة الدوائية إلى مورد اقتصادي، وليس مجرد قطاع خدمي مرتبط بالأزمات.

الرقابة حاضرة لكن البحث العلمي غائب
تتولى الهيئة العليا للأدوية، عبر دوائر التفتيش والرقابة، مسؤولية الإشراف على جودة الأدوية المنتجة محليًا، إلى جانب سياسات داعمة كالإعفاءات الجمركية للمصانع الوطنية. غير أن جانب البحث العلمي والتطوير الدوائي لا يزال الحلقة الأضعف في منظومة الصناعة.
في عام 2010، أجرى طلبة صيدلة في جامعة العلوم والتكنولوجيا بصنعاء دراسة علمية حول التوافر الحيوي لدواء أجنبي مقارنة بنظيره المحلي، وأظهرت النتائج كفاءة وجودة الدواء اليمني. تجربة أكاديمية محدودة، لكنها كشفت ما يمكن أن يحققه الاستثمار في البحث العلمي من أثر مباشر على ثقة المجتمع والكادر الطبي.

أموال مهدورة وأمن دوائي غائب
تستورد اليمن نحو 637 صنفًا دوائيًا من الخارج، وتُقدَّر فاتورة استهلاك الأدوية سنويًا بمبالغ ضخمة. ويطرح خبراء تساؤلات حول جدوى استمرار هذا النزيف المالي، في وقت يمكن فيه توجيه جزء من هذه الأموال لتشغيل المصانع المحلية، أو استقطاب شركات دوائية عالمية لإنشاء فروع إنتاج داخل البلاد.

فرص طبيعية وبشرية غير مستغلة
يمتلك اليمن ثروة نباتية طبية نادرة، بفضل تنوعه المناخي والبيئي، ما يفتح آفاقًا واسعة للاستثمار في الصناعات الدوائية القائمة على المواد الخام المحلية. إلى جانب ذلك، ترفد الجامعات اليمنية السوق بكوادر صيدلانية مؤهلة من خريجين وأكاديميين وباحثين، يمكن أن يشكلوا قاعدة لانطلاقة صناعية حقيقية.

تحديات الحرب ورهان المستقبل
أظهرت إحصاءات وزارة الصحة والبيئة الأخيرة منها أن هناك قلة في ألف و630 صنفاً لعدد 98 دواءً بسبب العدوان والحصار ولا تصنع محلياً بحسب الاسم العلمي.. مشيرة إلى أن هناك 16 شركة كانت تنتج 559 صنفاً من الأدوية أغلقت سوقها في البلاد بسبب الحصار.. وحسب الإحصاءات توقف 83 مستورداً كانوا يوفرون ألفاً و329 صنفاً من الأدوية، عن الاستيراد بسبب الحالة غير الملائمة التي فرضها العدوان والحصار.. كما ارتفعت نسبة الزيادة في متوسط الاحتياج السنوي لعشرات الأصناف الدوائية من 200 إلى 500 في المائة، فضلا عن منع دخول اليود المشع لمرضى سرطان الغدة الدرقية نتيجة الحصار.
لا يمكن فصل واقع الصناعات الدوائية عن الحرب والحصار، وما نتج عنهما من صعوبات في استيراد المواد الخام، وارتفاع تكاليف الشحن، واضطراب أسعار الصرف، إضافة إلى تدمير بعض المنشآت الصناعية. ورغم ذلك، يُظهر القطاع قدرًا ملحوظًا من الصمود والتكيف.
اليوم، تقف الصناعات الدوائية في اليمن أمام فرصة تاريخية لإعادة صياغة دورها، ليس فقط كقطاع اقتصادي، بل كخط دفاع أول عن حياة الملايين. ويبقى السؤال مفتوحًا: هل تتحول هذه الفرصة إلى مشروع وطني متكامل، أم تظل مجرد استجابة مؤقتة تفرضها الأزمات؟

طباعة