بالنظر إلى طول مدتها التي تجاوزت العشرة أعوام وتعدد الأطراف المشاركة فيها على المستوى الإقليمي والدولي تحوّلت حرب تحالف العدوان الأمريكي السعودي الإماراتي الصهيوني على وطننا وشعبنا اليمني إلى حرب استراتيجية مفتوحة بات سلاح استهداف الاقتصاد والحصار الخانق فيها يشكل أخطر جبهات العدوان.
وفي خضم هذا الاستهداف الممنهج، يأتي إصدار "دليل/ نموذج العمل التنموي المتكامل" من قِبل القائد التنموي المهندس محمد حسن المداني في ضوء موجهات السيد القائد عبدالملك بدر الدين وفق منهجية قرآنية بمثابة إعلان ثوري وبيان سياسي مُدوٍّ يُمثّل خارطة طريق للتحرر الكامل من التبعية الاقتصادية للخارج .
يحيى الربيعي
يأتي إصدار هذا الدليل ليبشر بقرب عودة رمز العطاء وركيزة مسيرة التنمية والإحسان المهندس محمد المداني لمزاولة عمله في الميدان التنموي الجهادي بعد رحلة غياب قصيرة إثر تعرضه للإصابة خلال غارة غادرة للعدوان الصهيوني الإجرامي .. ليبعث نبض الحياة من جديد في شرايين الحركة التنموية في ميادين فعل الخير والبناء للاقتصاد الوطني التي طالما حنّت إلى خطاه وتشهد اليوم على أن عودته هي إيذان بانبعاث طاقة لا تنضب مخصصة لاستكمال مسيرة البناء تحت قيادته التي أضاءت وتضيء الدرب من جديد.
كيف لا ؟! وقد حمل هذا القائد التنموي على عاتقه رسالة الإخلاص والتفاني، مُعلماً للجميع أن قامات العطاء لا يُقعدها ألم، وأن بطولة النهوض بعد أعتى الجراح هي سمة الكبار الأوفياء وأن الإجابة الإستراتيجية على كيفية فكفكة ألاعيب الكيان الإسرائيلي وداعميه في جبهة المال والغذاء تكمن في جوهر القيادة التي صاغت هذا الدليل النموذجي للعمل التنموي المتكامل .
يهدف هذا التقرير التحليلي العميق إلى الكشف عن التناقض الجذري بين هذا النموذج الوطني، الذي يتخذ من الاكتفاء الذاتي غاية عقائدية، وبين النماذج التنموية التي تدعمها المنظمات الدولية؛ والتي لم تكن في حقيقتها سوى أداة خبيثة لترسيخ التبعية والإخضاع السياسي وفي الوقت ذاته يُرسِّخ هذا الكشف فكرة أن التنمية في زمن العدوان هي في الأساس فعل ممانعة مُقدَّس؛ إضافة إلى شرح وتوضيح كيفية نجاح القائد الميداني في تحويل قصص وتجارب البطولة في ميادين وجبهات التنمية إلى شرارة لانطلاق المحور الأول في حرب السيادة الاقتصادية من خلال إصدار "دليل/ نموذج العمل التنموي المتكامل .. فإلى التفاصيل :
تكشف القراءة العميقة للنموذج عن رؤية لا تقبل التبعية، غايتها تأسيس "دولة يمنية حديثة ديمقراطية مستقرة وموحدة... تحمي الوطن واستقلاله". ويكمن جوهر هذا التحليل في أن هذه الرؤية تولد من رحم تحديات كثيرة من حصار وعدوان، ما يجعلها رؤية مضادة لكل محاولات الاحتلال الصهيو-أمريكي لكسر الإرادة الوطنية. فالنموذج يسعى لتجسيد "تنمية مستدامة... تحقق الاكتفاء الذاتي في الأساسيات"؛ وهذا الإصرار على تحقيق الاكتفاء الذاتي في الأساسيات الغذائية والدوائية والملبس يمثل عمق التحليل الدراماتيكي الذي يواجه مباشرة استراتيجيات العدو الرامية لتجويع الشعب وإخضاعه عبر شل الواردات.
ثورة الإجراءات والمركزية الثورية
لم تكن طريقة التنفيذ للنموذج أقل حدة في دلالاتها السياسية، حيث تُنَفَّذُ من خلال "استنهاض المجتمع ومؤسسات الدولة، وفق نهج ثوري نهضوي وتنموي تعاوني وتكاملي". هذا الأسلوب يكسر تماماً الأنماط التنموية التقليدية التي تعتمد على المنح المشروطة؛ بل يركز على تحقيق "مركزية في تحديد وحماية الأولويات الوطنية وسياسات العمل الثورية، ولا مركزية في التنفيذ عبر الأطر المحلية الرسمية والشعبية". وهذا يضمن حماية القرار الاقتصادي والاجتماعي والسياسي الحر والمستقل، في الوقت الذي يُعزز فيه قدرة المجتمع على الصمود.
وفي سياق متصل، يركز النموذج بشدة على الأولويات الوطنية التي تستهدف خفض فاتورة الاستيراد، خاصة في الحبوب، الدواء، والملبس. وهذا يكشف عن موقف صريح في تحديد نقاط الضعف التي يستغلها العدو، مؤكداً أن كل حبة قمح تُزرع محلياً هي رصاصة تُطلَق في جبهة الحرب الاقتصادية، وخطوة نحو الاستقلال الحقيقي.
جبهة الاقتصاد المجتمعي.. تفكيك سلاح الفقر والحصار
لقد تجاوز المهندس المداني فكرة التنمية الحكومية ليضع "الاقتصاد المجتمعي" في قلب عملية الجهاد التنموي. وهنا يتجلى تحليل ديناميكي يكشف عن الخلفية الأساسية لهذا التوجه؛ إذ يهدف إلى توظيف وتمكين الأسر الفقيرة تحديداً، وتحويلها من أسر منتظرة للإعانة إلى عناصر منتجة وفاعلة في التنمية. وهذه العملية هي فعل مقاومة عميق؛ لأن النموذج يرى في هذا الاقتصاد المجتمعي "أثبت الاقتصادات ومقاومة للحصار والعدوان". فبدلاً من أن تتحول الحاجة إلى الإعانة إلى ورقة ضغط سياسية في يد قوى العدوان، يُحوّل القائد التنموي هذه الفئة إلى طاقة إنتاج ذاتية، وهذا هو جوهر فضح ألاعيب السياسات التي تعتمد على الإفقار لإخضاع الأمم.
سلسلة القيمة والهجرة العكسية.. التكامل القصصي للصمود
ولضمان عدم تسرب القيمة المضافة، تدخل النموذج بجرأة في "كل حلقات سلسلة القيمة"، والتي تشمل المدخلات والإنتاج والتسويق والاستهلاك. ويُعَدّ هذا التدخل الشامل تحليلاً نقدياً قوياً للتبعية الاقتصادية السابقة، حيث كانت القيمة المضافة تتسرب غالباً عبر حلقة التسوية. وبالتالي، فإن تركيز النموذج على التدخل فيها يهدف إلى ضمان بقاء أرباح وجهد التنمية ضمن الدائرة الوطنية، ليشمل ذلك "كل العاملين في السلسلة وعامة المجتمع"، قاطعاً بذلك شرايين التبعية ومثبتاً دعائم القرار الاقتصادي الحر.
يتبنى النموذج آليات عمل ديناميكية، ومن أبرزها "دورة فرسان التنمية" وبناء "القيادات التنموية التطوعية". وإضافة إلى ذلك، تأتي فكرة "الهجرة العكسية" كأعمق الأبعاد الاجتماعية والسياسية، حيث يتم بتحويل الدعم من الحضر إلى الريف توفير مصادر الدخل المناسبة، مُعززاً بذلك قدرة الريف كـعمق استراتيجي على الصمود والإنتاج، ومانعاً انهيار شبكات الأمان الاجتماعية.
إن هذا النموذج، في مجمله، هو الرؤية المستمدة من المشروع القرآني، والتي تمثل مسارات جهاد تنموي مضاد، مُعلناً فشل الرهان الصهيو-أمريكي على استسلام اليمن عبر الحصار والجوع، ومؤكداً أن المعجزات تسير وفق نهج قرآني وتحت قيادة حكيمة.
كيف يفَكِّكُ دليل المداني مصيدة التبعية الدولية؟
في أتون حرب مفتوحة تستخدم فيها قوى العدوان الصهيو-أمريكية سلاح التجويع والحصار بضراوة غير مسبوقة، لم يكن إصدار "نموذج العمل التنموي المتكامل" على يد القائد التنموي المهندس محمد حسن المداني مجرد خطة، بل كان إعلاناً سياسياً مدوياً ببدء "الجهاد التنموي" الذي يهدف إلى تحصين الجبهة الداخلية ضد ألاعيب السياسات الدولية التي ترعاها واشنطن.
إن القراءة الوصفية العميقة تكشف عن تصادم إستراتيجي بين فلسفتين متناقضتين: الأولى تسعى لترسيخ التبعية المزمنة، والثانية تتخذ من الاستقلال التام غاية.
فخ الإغاثة وشروط الترويض
لقد ارتكزت الأجندة التنموية التي روجت لها المنظمات الدولية لعقود على منطق ما يُعرف بـ"توافق واشنطن"، الذي يتخفى تحت شعارات "تخفيف الفقر" و"الاندماج في الاقتصاد العالمي". وفي جوهر الأمر، يمثل هذا التوجه مصيدة تكنوقراطية تهدف إلى نزع السيادة الاقتصادية تدريجياً.
ففي الوقت الذي كانت فيه هذه النماذج تُقَدِّمُ قروضها ومنحها المشروطة، كانت الخلفية الأساسية لتلك التصرفات هي فرض إصلاحات هيكلية (كتحرير التجارة وخصخصة القطاعات الحيوية) تُناسب مصالح القوى الكبرى. وعليه، يتحول النمو الاقتصادي في تلك الدول إلى نتيجة للتبعية وليس شرطاً للتحرر، مما يضمن بقاء اليمن، في نظر تلك القوى، مجرد سوق مستهلك وغير مصنّع، وبذلك يسهل ترويضه سياسياً عبر التحكم بـصنبور المساعدات والإغاثة.
كما أن هذا المنهج، لا يكتفي بمنح الإغاثة، بل يصر على أن تكون التنمية مُدارة بالخبرات الخارجية عبر مستشارين لا يرون في المجتمع اليمني سوى مُتلقٍ سلبي، مما يُبقي القيادات المحلية في حالة خضوع دائم لـشروط الاستسلام المُعلبة تحت مسمى "الحوكمة الرشيدة".
النموذج المقاوم.. بصمات الثورة من جوف الأرض
على النقيض التام من هذا المسار المهيمن، جاء "نموذج العمل التنموي المتكامل" كـبيان عملي يجسد روح الممانعة. إذ وضع المداني شرطاً وحيداً للنجاح: الاكتفاء الذاتي في الأساسيات الغذائية والدوائية والملبس.
وإذ يعتبر هذا الإصرار على الاكتفاء الذاتي عمق التحليل الدراماتيكي في ظل العدوان؛ فإنه يُحوّل عملية الزراعة والإنتاج المحلي إلى درع سياسي يُعطّل سلاح الحصار. فكل حبة قمح تُزرع محلياً هي رصاصة تُطلق في جبهة الحرب الاقتصادية، مُثبتاً بذلك أن الإرادة الوطنية قادرة على كسر الرهان الصهيو-أمريكي على تجويع الشعب.
كما أن النموذج لم يكتفِ برفض التمويل المشروط، بل أسس لآلية "الاقتصاد المجتمعي"، التي تُعَدّ بمثابة إجراء هندسي مُفاجئ يُحوّل "الأسر الفقيرة" من "أسر منتظرة للإعانة" إلى "وحدات إنتاج صامدة". وهذا الفعل هو فعل مقاومة عميق؛ إذ ينتزع ورقة الضغط الأقوى من يد العدوان والمنظمات التابعة له، ويُعزز من قدرة المجتمع على الاعتداد بهويته وقدرته على حشد طاقاته التنموية الداخلية.
حرب سلسلة القيمة وتجميد التبعية
أما الجزء الأكثر جرأة في هذه الوثيقة، فيتمثل في إعلان النموذج المقاوم الحرب على "كل حلقات سلسلة القيمة". فبينما كانت المنظمات الدولية تركز على الإنتاج الأولي لإبقاء الدول النامية مجرد مصدر للمواد الخام الرخيصة، فإن المداني ونموذجه أصروا على التدخل بجرأة في حلقة التسويق تحديداً.
ويأتي هذا التدخل كـتحليل وصفي دقيق لآلية تسرب الثروة؛ حيث كانت القيمة المضافة تتلاشى وتذهب إلى جيوب شبكات خارجية مرتبطة بمصالح أجنبية. ولذلك، جاء التركيز على ضمان بقاء أرباح وجهد التنمية ضمن الدائرة المجتمعية والوطنية، مؤكداً أن خفض فاتورة الاستيراد ليس هدفاً كمياً فحسب، بل هو قرار سياسي لا رجعة فيه لقطع شرايين التبعية وتثبيت دعائم القرار الاقتصادي والسياسي الحر والمستقل.
في الختام، يكاد "نموذج العمل التنموي المتكامل" أن يُشكل الفصل الأخير في قصة التحرر الاقتصادي؛ فقد كشف النقاب عن التناقض الجذري بين إرادة البناء الوطني، وبين الاستراتيجيات المُمنهجة لـ"الاحتلال الصهيو-أمريكي" التي تعتمد على الإفقار والتبعية، مُرسِخاً بذلك حقيقة أن التنمية المقاومة هي خط الدفاع الأول في معركة السيادة الشاملة.