غالية حمود الحمادي
ارتقى الرئيس الشهيد صالح الصماد سلم المجد والشهادة وقد ترك وراءه سيرة حياة جهادية عطرة مزدانة بالثقافة القرآنية التي كانت خير زاد استعان به الرئيس في مهمته الاستثنائية، كما كانت أبرز عنوان يتمثله سلوكاً حياتياً..
ورغم الحشد الكبير والنوعي لمعركة الحديدة، فإن كيد العدوان تبدد مع اللحظات الأولى للنهضة التهامية الصمادية ومع أن العدو تمكن من اغتيال الرئيس البطل، إلا أن دماءه الزكية والطاهرة شكلت خير متراس للساحل الغربي، ولمدينة الحديدة، التي ظلت وستبقى عصية على الانكسار كأخواتها صنعاء وصعدة وحجة وغيرها.. ولم يعرف عن الرئيس الشهيد صالح الصماد أنه امتلك أرضاً أو عقاراً جديداً منذ بدء العدوان السعودي الأميركي على بلادنا وقد نقل عنه رفاقه قوله: "كل من يشتري أرضاً أو يبني عقاراً هذه الأيام – أي أيام الحرب - اكتبوا على جبينه كلمة فاسد" وقد كان قوله هذا، ولا يزال، أبلغ رد على المفرطين والمفسدين.
مهمة استثنائية
جسد الرئيس الشهيد صالح علي الصماد، بمواقفه وتضحياته أنموذجاً لرئيس استثنائي، أدى المهام المناطة به خلال ترؤسه للمجلس السياسي الأعلى وإدارة الدولة بحنكة وحكمة واقتدار في مرحلة صعبة، وحاسمة في تاريخ اليمن المعاصر، وشكلت الفترة التي توّلى فيها الشهيد الصماد، لقيادة الدولة، علامة فارقة ومرحلة من أصعب المراحل والمنعطفات في تاريخ اليمن الحديث، الذي يتعرض منذ 26 مارس 2015م، لعدوان عالمي، طال البشر والشجر والحجر.
مواقف مشهودة
وتمثل الذكرى السادسة لاستشهاد الرئيس الصماد، فرصة لاستذكار مناقب رمز وطني عاش حياته نزيهاً متواضعاً ووهب نفسه للدفاع عن الوطن وسيادته واستقلاله، واستلهام الدروس من مآثره التي تعمقت في نفوس ووجدان اليمنيين، وتكمن أهمية إحياء سنوية الرئيس الشهيد الصماد في عامها الرابع، في استحضار مواقفه المشهودة في البذل والعطاء والتضحية والفداء وتعزيز تماسك الجبهة الداخلية في ظل محاولات الأعداء لاختراقها وفرض وصاية خارجية وتدخلات في الشؤون اليمنية.
نموذج راقٍ
وتتجلى دلالات إحياء ذكرى الشهيد الصماد في عظمة ما قدمه من نموذج راقٍ وشاهد حقيقي على قيادته لسفينة الوطن في ظل ظروف استثنائية قاهرة وتحديات كبيرة، مجسداً رؤيته الحكيمة ونظرته الثاقبة والشاملة لمشروع بناء الدولة اليمنية الحديثة.
صمود ونزاهة وحكمة
يعتبر مراقبون الشهيد الصماد شخصية وطنية، مثلت أيقونة للصمود والحكمة والنزاهة والشجاعة والإقدام والبأس، عملت على ترسيخ دعائم الثبات ورسمت ملامح البناء والنهوض والتطوير وتحديث المنظومة الدفاعية وقوة الردع اليمنية لمواجهة العدوان.
حوّل الشهيد الصماد التحديات إلى نجاحات في زمن قياسي، مثلت فارقاً في أدائه وتحركاته وبصماته الوطنية والتنموية، وهو على قمة هرّم السلطة التي لم يراها يوماً مغنماً ولا وسيلة سوى لإحقاق الحق وخدمة الوطن والمواطن، انطلاقاً من ثقافته القرآنية ووعيه وصبره وتوجيهاته الإيمانية وأخلاقه الكريمة وتطلعاته في بلورة مشروع بناء اليمن واقعاً عملياً.
مشروع صمود وتنمية
رسم الشهيد الصماد بمبادئه وطموحاته خارطة طريق وطنية لتحقيق طموحات الشعب اليمني في بناء الدولة وتنمية مستدامة بعيداً عن مشاريع الوصاية والتبعية، ما جعل تحالف العدوان الأمريكي السعودي الإماراتي، يضع الصماد على قائمة المطلوبين والمستهدفين.
ومثل المشروع الوطني للشهيد الصماد تحت عنوان " يد تحمي .. ويد تبني"، حالة فزع للأعداء، جعلهم يتجهون لوأد هذا المشروع باغتيال مهندسه وراسم خطوطه العريضة، في محاولة لكسر شوكة البناء واستقلال القرار السياسي، إلا أن الرياح تأتي بما لا تشتهي السفن، حيث مثل اغتيال دول العدوان للرئيس الصماد، دافعاً لأبناء الشعب اليمني في المضي على درب الشهيد الصماد ومواصلة الصمود والثبات والإرادة والعزيمة والإصرار على مواصلة البناء والتطوير رغم العدوان والتخريب والتدمير التي يمارسها تحالف العدوان بحق الشعب اليمني.
ورغم إدراك الشهيد الصماد أن تنفيذ مشروعه ليس سهلاً وأن الطريق أمامه ليس معبداً، لما سيواجه المشروع من عراقيل وصعوبات، نظراً لعدم سماح أعداء اليمن ببناء الدولة اليمنية القوية، إلا أنه قرر خوض التحدي بيقين أنه يمضي في الاتجاهات الصحيحة.
تطلّع الشهيد الصماد إلى يمن مستقل حر غير مرتهن لأيّ دولة من خلال مشروعه الوطني " يد تحمي.. ويد تبني"، انطلاقاً من وعيه وثقته وصبره وحلمه في بناء الدولة ونهجه ودوره في تعزيز الصمود اليمني، حيث انصب اهتمامه على تثبيت مشروع بناء الدولة، وفي المقدمة الاستقلال والخروج من التبعية التي أضرت باليمن طوال عقود مضت وإجراء مصالحة واستقرار سياسي بتعزيز الشراكة في إدارة الدولة والاعتماد على الذات في تقوية المؤسسات بمختلف قطاعاتها.
وفي حين دأب النظام السعودي الحاقد والغارق في دماء أبناء اليمن على مّر التاريخ في اغتيال القادة العظماء الذين يرى فيهم حجر عثرة لتنفيذ مخططاته التدميرية، بما فيهم اغتيال الرئيس صالح الصماد، فشل في كسر الصمود اليماني والمشروع الذي أرسى قواعده الشهيد ويمضي في تجسيده فخامة المشير الركن مهدي المشاط رئيس المجلس السياسي الأعلى.
ضرب الشهيد الصماد أروع الصور والأمثلة في الوفاء للوطن، ومن واجب الوفاء في هذه الذكرى تجسيد نهجه ودوره في مواجهة العدوان، وتخليد ذكرى قائد استثنائي مثّل رحيله خسارة كبيرة على الوطن.
روحية إيمانية
مثل اغتيال الشهيد الصماد خسارة للوطن والشعب لدوره وإسهاماته في توحيد الجبهة الداخلية وإدارة شؤون البلاد وما اتسم به من ذكاء في تخطيطه وأهدافه وتوجهاته وإنجازاته المتمثلة في إيجاد بنية تحتية لتطوير الصناعات العسكرية وتلمس أحوال المواطنين والسعي لتعزيز أداء مؤسسات الدولة.
استطاع الرئيس الصماد التغلب على صعوبات المرحلة بعزم وثقة، منتهجاً أخلاق القادة في مواجهة طواغيت الظلم والاستكبار ومتسلحاً بروح زاهدة، فكان يرى أن مسح التراب من على نعال المرابطين أشرف من كل مناصب الدنيا، ولم يُخفه أو يحد من تحركاته رصد الطائرات الاستطلاعية والأقمار الاصطناعية.
سعى الرئيس الصماد بكل ما أمكن لتضميد الجراح وتوحيد الجبهة الداخلية بإجماع كل الفرقاء وانجذب الجميع إلى فصاحة بيانه وحجة لسانه ورجاحة عقله وسعة صدره وإخلاصه لوطنه، حيث كان الشهيد الصماد رجل دولة لا يفتر ولا يتذمر ولا ينتظر أحد ولا يلتفت لمتخاذل، يبذل جهده في النصح والإرشاد والتبيين، ويتواجد في الجبهات، لم ير نفسه إلا جنديا من جنود الوطن.
اتسم الصماد بعشقه للجهاد والشهادة في سبيل لله وتعظيم مكانة المرابطين في جبهات وميادين الدفاع عن الوطن، واستشعار تضحياتهم، فسعى إليها بكل جوارحه، فلا كرسي رئاسة أغراه عنها ولا مناصب الدنيا غيرته أو أنسته الشهادة.
سعى بيقين القائد الحكيم للدفاع عن الأرض والعرض والسيادة وحماية مختلف المناطق خاصة الساحلية منها، لعلمه بخطورة المعركة هناك وأهميتها حتى لا تسقط بأيدي المحتلين والغزاة، وفي الوقت ذاته لم يغب عنه للحظة تحرير المناطق الواقعة تحت قوى الاحتلال.
بصمات خالدة
كرس الشهيد الصماد جهوده لتوحيد الصف اليمني في مواجهة العدوان بكل الوسائل والإمكانات وشهدت المؤسسة العسكرية في عهده نقلة نوعية في التصنيع الحربي ومنها الطائرات المسيّرة والمنظومات الباليستية المتنوعة التي كان لها عظيم الأثر في تغيير معادلة المواجهة وانتقال اليمن من الدفاع إلى الهجوم والردع ومن الضربات الباليستية الأحادية إلى دفعات موجعة في عمق العدو.
أثارت خطابات الشهيد وتحركاته التي ترجمها ميدانيا في جبهات وميادين الكرامة، مخاوف أعداء اليمن وكان لها الأثر القوي في إلحاق الهزائم والخسائر في صفوف العدوان، ورفع معنويات المرابطين من أبطال الجيش واللجان الشعبية.
خسارة كبيرة
استشهاد الرئيس الصماد، مثل خسارة كبيرة على اليمن والأمة العربية والإسلامية، وما تحقق للشعب اليمني بفضل تضحيات الشهداء وعلى رأسهم الرئيس الصماد يعتبر مصدر فخر واعتزاز كل أبناء اليمن التواقين للحرية والانعتاق من تسلط قوى الاستكبار والهيمنة العالمية.
ترك الصماد منصبه على رأس الدولة مثلما وصل إليه ودون حتى أن يؤمن مسكنا لأفراد أسرته أو أي أملاك أخرى سوى منزل والده المدمر بفعل غارات طيران العدوان في منطقة بني معاذ بمحافظة صعدة.
ومن هذا المنطلق، سيظل الرئيس الشهيد الصماد، ملهماً لأحرار اليمن للاستمرار في النضال حتى تحرير كامل الأراضي اليمنية من دنس الغزاة والمحتلين والتحرر من الوصاية الخارجية التي عاشها الوطن لسنوات طويلة.
في حين سيُخلد التاريخ بأحرف من نور مسيرة حياة الرئيس الشهيد صالح الصماد الحافلة بالعطاء والانجاز والتضحية في سبيل حرية واستقلال وسيادة الشعب اليمني.
فقد اعتبر سياسيون، المشروع الوطني للشهيد الصماد انعكاساً لتطلعات أبناء الشعب اليمني ونضالاتهم في بناء الدولة اليمنية القوية، بقي أن نقول إن تحركات الرئيس الشهيد ومبادئه وثقافته وإحساسه الكبير تجاه المسؤولية الملقاة على عاتقه رسمت معادلات الصمود الوطني بمفهومه العميق والشامل، وشكلت القواعد المتينة للنصر المبين الذي تلوح بشائره يوماً بعد آخر. وكما تمكن الرئيس الذي أعاد تعريف الزعامة السياسية أن يحفر اسمه في سجل الخالدين، فقد زاحم بآثاره وإيثاره السابقين من الحكام الصالحين والمصلحين على ندرتهم في تاريخ الأمة والبشرية.